محمد الريشهري

246

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

وفي معرض الإجابة عن هذه التساؤلات نقول : بلى ، إنّ مقتضى الحكمة والسياسة ألاّ يقبل الإمام بالتحكيم ، إلاّ أنّه ( عليه السلام ) - كما تفيد الوثائق التاريخيّة القطعيّة - لم يقبل التحكيم بإرادته وإنّما فُرض عليه فرضاً ، ولم تكن مقاومته أمام ذلك الرأي الساذج تُجديه نفعاً ، بل كانت تؤدّي إلى وقوع معركة النهروان في صفّين ، وسيضطرّ الإمام إلى محاربة قسم كبير من جيشه في ذات الميدان الذي كان يقاتل فيه جيش الشام . عندما أدرك معاوية بأنّه لا طاقة له على الصمود أمام جيش الإمام ، وأنّ الحرب لو استمرت لكان الانتصار الحاسم حليف الإمام ، لجأ - بما لديه من معرفة بفريق واسع من جيش الإمام ، وبناءً على اقتراح من عمرو بن العاص - إلى حيلتين شيطانيّتين خطيرتين : الأُولى هدفها إيقاف القتال مؤقّتاً ، بينما ترمي الثانية إلى تمزيق أو إضعاف جيش الإمام . وقد آتت كلتا الحيلتين أُكلهما بمعاضدة العناصر المتغلغلة في جيش الإمام . كانت الحيلة الأُولى رفع القرآن على الرماح ، ودعوة الإمام إلى تحكيم القرآن ، حتى أوقف القتال ، أمّا الحيلة الثانية فكانت قضيّة التحكيم التي تمّ حبكها على نحو أكثر تعقيداً ، ممّا أدّى في خاتمة المطاف إلى وقوف قطاع من خيرة جيشه في وجهه . وهذا هو السبب الذي دفع الإمام لاحقاً إلى مقاتلة أنصاره في معركة النهروان . ولم يكن أمامه مناص في معركة صفّين سوى الانصياع لضغوطهم وقبول التحكيم . وهناك قول مشهور للإمام في وصف حالته أثناء قبول التحكيم : " لقد كنت أمسِ أميراً ، فأصبحت اليوم مأموراً ! وكنتُ أمس ناهياً ، فأصبحت