محمد الريشهري
219
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
نفسك ، وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء ( 1 ) ، وتورّط الظلماء . وليس طالب الدين من خبط أو خلط ، والإمساك عن ذلك أمثل . فتفهّم يا بُنيَّ وصيّتي ، واعلم أنّ مالِك الموت هو مالِك الحياة ، وأنّ الخالق هو المميت ، وأنّ المفني هو المعيد ، وأنّ المبتلي هو المعافي ، وأنّ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها الله عليه من النعماء ، والابتلاء ، والجزاء في المعاد أو ما شاء ممّا لا نعلم ، فإن أشكل عليك شيءٌ من ذلك فاحمله على جهالتك به ، فإنّك أوّل ما خُلقتَ خُلقتَ جاهلاً ثمّ علمتَ . وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحيّر فيه رأيك ، ويضلّ فيه بصرك ! ثمّ تبصره بعد ذلك ، فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسوّاك ، وليكن له تعبّدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك . واعلم يا بُنيَّ أنّ أحداً لم يُنبِئ عن الله كما أنبأ عنه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فارضَ به رائداً ، وإلى النجاة قائداً ، فإنّي لم آلُكَ نصيحةً . وإنّك لن تبلغ في النظر لنفسك - وإن اجتهدت - مبلغ نظري لك . واعلم يا بُنيَّ أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنّه إلهٌ واحدٌ كما وصف نفسه ، لا يضادّهُ في ملكه أحدٌ ، ولا يزول أبداً ولم يزل . أوّلٌ قبل الأشياء بلا أوّليّة ، وآخرٌ بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر . فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره ، وقلّة مقدرته ، وكثرة عجزه ؛ وعظيم حاجته إلى ربّه في طلب طاعته ، والرهبة من عقوبته ، والشفقة من سُخطه ؛ فإنّه لم يأمرك إلاّ بحَسن ، ولم ينهك إلاّ عن قبيح .
--> ( 1 ) عَشَا عن الشيء : ضعفَ بصرُه عنه . وخبَطَه خبطَ عشواء : لم يتعمّده ( لسان العرب : 15 / 57 ) .