محمد الريشهري

220

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

يا بُنيَّ ، إنّي قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أُعدّ لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال ؛ لتعتبر بها وتحذو عليها . إنّما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر نبا بهم منزلٌ جديبٌ ، فأمّوا منزلاً خصيباً وجناباً مريعاً ، فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق ، وخشونة السفر ، وجشوبة المطعم ؛ ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألماً ، ولا يرون نفقةً مغرماً ، ولا شيء أحبُّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، وأدناهم من محلّهم . ومثلُ من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شيءٌ أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه . يا بُنيَّ ، اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تُحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تَظلم كما لا تُحبّ أن تُظلم ، وأحسن كما تُحبّ أن يُحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من الناس بما ترضاهُ لهم من نفسك ، ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم ، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك . واعلم أنّ الإعجاب ضدّ الصواب ، وآفةُ الألباب . فاسع في كدحك ، ولا تكن خازناً لغيرك . وإذا أنت هُديتَ لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك . واعلم أنّ أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة ومشقّة شديدة ، وأنّه لا غنى لك فيه عن حُسن الارتياد . قدّر بلاغك من الزاد مع خفّة الظهر ، فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك ، فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك . وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمِّلهُ إيّاه ،