محمد الريشهري

177

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

وثار القَتام ( 1 ) ، وتضعضعت الرايات ، وحُطّت الألوية ، وغابت الشمس ، وذهبت مواقيت الصلاة ، حتى ما كان في الفريقين أحد يُصلّي ذلك اليوم ولا سجد لله سجدة ، ولا كانت الصلاة إلاّ بالتكبير والإيماء نحو القبلة . قال : وهجم عليهم الليل ، واشتدّت الحرب ، وهذه ليلة الهرير ، فجعل بعضهم يهرّ على بعض ، ويعتنق بعضهم بعضاً ، ويكرم بعضهم بعضاً ( 2 ) . قال : وجعل عليّ ( رضي الله عنه ) يقف ساعة بعد ساعة ، ويرفع رأسه إلى السماء وهو يقول : " اللهمّ إليك نُقِلت الأقدام ، وإليك أفضت القلوب ، ورُفعت الأيدي ، ومُدّت الأعناق ، وطُلبت الحوائج ، وشخصت الأبصار . اللهمّ ( افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَتِحِينَ ) ثمّ إنّه حمل في سواد الليل ، وحملت الناس معه ، فكلّما قتل بيده رجلاً من أهل الشام كبّر تكبيرة حتى أُحصي له كذا كذا تكبيرة . قال أبو محمّد ( ابن أعثم ) : أُحصي له خمسمائة تكبيرة وثلاث وعشرون تكبيرة ، في كلّ تكبيرة له قتيل . قال : وكان إذا علا قَدَّ ، وإذا وسط قَطّ ( 3 ) ( 4 ) . 2563 - تاريخ الطبري عن أبي مخنف : فاقتتل الناس تلك الليلة كلّها حتى الصباح ؛ وهي ليلة الهرير ، حتى تقصّفت الرماح ، ونفد النبل ، وصار الناس إلى السيوف .

--> ( 1 ) الرَّهْج والقَتام : الغُبار ( لسان العرب : 2 / 284 وج 13 / 461 ) . ( 2 ) كذا في المصدر ، ولعلّه مصحّف عن " يكزم " . يقال : كزَم الشيء الصُّلب ؛ إذا عضّه عضّاً شديداً ( لسان العرب : 12 / 518 ) . ( 3 ) قَدَّ : قطع طولاً وقَطَّ : قطع عرضاً ( النهاية : 4 / 21 ) . ( 4 ) الفتوح : 3 / 180 وراجع شرح نهج البلاغة : 2 / 213 ووقعة صفّين : 479 ونهج البلاغة : الكتاب 15 .