محمد الريشهري
10
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
بالكتاب يكتبه والرسالة يبعثها يطلب غرّته ( 1 ) ؛ لينفث بما في صدره من حال أبي بكر وعمر إمّا مكاتبة أو مراسلة ، فيجعل ذلك حجة عليه عند أهل الشام ، ويضيفه إلى ما قرّره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم ، فقد كان غمصه ( 2 ) عندهم بأنّه قتل عثمان ومالأ على قتله ، وأنّه قتل طلحة والزبير وأسر عائشة وأراق دماء أهل البصرة ، وبقيت خصلة واحدة وهو أن يثبت عندهم أنّه يتبرّأ من أبي بكر وعمر ، وينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة ، وأنّهما وثبا عليها غلبة وغصباه إياها . فكانت هذه الطامة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشام عليه ، بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره ؛ لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلاّ القليل الشاذّ من خواص الشيعة . فلمّا كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني ( 3 ) قصد أن يُغضب عليّاً ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر وأنّه أفضل المسلمين إلى أن يخلط خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعناً في أبي بكر ، فكان الجواب مُجمجماً غير بيّن ليس فيه تصريح بالتظليم لهما ولا التصريح ببراءتهما وتارةً يترحّم عليهما وتارةً يقول : أخذا حقّي وقد تركته لهما . فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتاباً ثانياً مناسباً للكتاب الأوّل ؛ ليستفزّا فيه عليّاً ( عليه السلام ) ويستخِفّاه ، ويحمله الغضب منه أن يكتب كلاماً يتعلّقان به في تقبيح حاله وتهجين مذهبه .
--> ( 1 ) الغِرَّة : الغَفلة ( النهاية : 3 / 355 ) . ( 2 ) غَمَصَه : حَقَّرَه واستَصغَرَه ولم يَره شيئاً ( لسان العرب : 7 / 61 ) . ( 3 ) راجع : رسائل معاوية إلى الإمام في دم عثمان .