محمد الريشهري

64

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ومن العجيب أنّ الرجل الذي كان يرى نفسه الخليفة المباشر للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وما برح يعرض ظلامته ويتحدّث عن أهليّته وجدارته للخلافة خلال المدّة الطويلة لإزوائه كلّما اقتضى المقام منه ذلك ، وكان يصرخ من وحي الحرقة والألم ومن أعماق قلبه متأوّهاً لاستلاب حقّه ، وزحزحة الحقّ عن مكانه . . . ها هو الآن يرفض البيعة ، وقد انثال عليه الناس انثيالاً عجيباً مدهشاً ، مقبلين عليه بقلوبهم وأرواحهم وبكلّ وجودهم ، راضين به خليفةً لهم ، مؤكّدين تصدّيه لحكومتهم في انتخاب حرٍّ مباشر ! فما له يكره ذلك ، ويرغب عن قبول هذه المهمّة ؛ معلناً ذلك بصراحة ؟ ! ولماذا وقف الإمام ( عليه السلام ) هذا الموقف ؟ هل رغب عنها حقّاً لنفسه ورجّح لها شخصاً آخر أم أنّه أراد بموقفه هذا أن يعبّر مثلاً عن شيء من المجاملة السياسيّة - ومثله لا يجامل - من أجل أن يسترعي انتباه الناس أكثر فأكثر ، أو كان لموقفه الثُّنائي هذا مسوِّغ أو مسوِّغات أُخرى لا نعرفها ؟ ! والواقع أنّ معرفة - ولو يسيرة - بسيرته وأُسلوبه وبصيرته ونهجه ( عليه السلام ) لا تدَع مجالاً للشكّ في أنّه كان بعيداً عن المجاملات السياسيّة ، نافراً من نفس الحكومة بما هي حكومة . فهو لم يكن طالبَ حكم وتسلّط على الناس ؛ إذ الخلافة عنده أداة لإحقاق الحقّ ، وبسط العدل ، وإقامة القسط ، فهل كانت الظروف السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة آنذاك مهيّأة لتحقيق الأهداف المذكورة ؟ كلاّ ، إنّ مثل هذه الظروف لم تكن مهيّأة ؛ فالتقلّبات السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة ، والتغيّرات الروحيّة والفكريّة التي حدثت بعد خمس وعشرين سنةً قد استتبعت تغيّر الصحابة ورفاق الدرب أيضاً بأفكار مغايرة ، ومعايير مباينة ،