محمد الريشهري
65
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
ومقاييس أُخرى للحياة . . . إنّ الجيل الجديد - والذين يقفون على رأس المواقع السياسيّة في هذه الفترة المتأخّرة - إنّما يعيشون في ظروف يجهلون فيها معايير الدين وموازينه الراسخة ، ولا يَعُون طبيعة عصر الرسالة والسيرة النبويّة ، ولا يعرفون عليّاً ( عليه السلام ) ومنزلته الرفيعة في الدين ودوره وشأنه العظيمين معرفةً صحيحةً . فما مرّ على الدين خلال ربع قرن ، وما ابتُدع من تفسيرات وتأويلات للنصوص الدينيّة ، وما ظهر من تغييرات في الأحكام ، خاصّة في عهد الخليفة الثالث ، كلّ ذلك جعل مبادئ الدين ومقاييسه الصحيحة وأحكامه السديدةَ غريبةً على الناس ، وهو الذي سوّغ للأُمّة ثورتها على عثمان ؛ فقد كان الثوّار يقولون في عثمان : " أحدث الأحداث ، وخالف حكم الكتاب " ( 1 ) . وحيث كان يُشتكى من مقتله وسرّ الثورة عليه ، يقولون : لأحداثه ( 2 ) . هذه كلّها رسمت صورةً في الأذهان وأجرت على الألسن صعوبة العمل على أساس الكتاب والسنّة بعيداً عن المجاملات والمداهنات . وكان الإمام ( عليه السلام ) يعلم علم اليقين أنّ إرجاع المياه إلى مجاريها يُثير عليه الفتن ، وأنّ تطبيق الحقّ يُنهض أصحاب الباطل المعاندين للحقّ . من هنا كان ( عليه السلام ) يرفض البيعة ، ويؤكّد رفضه ؛ كي تتمّ الحجّة على المخالفين في المستقبل . وفي إحدى المناسبات قال ( عليه السلام ) : " دَعُوني ، والتمِسوا غيري ؛ فإنّا مستقبلونَ أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول . وإنّ الآفاق قد أغامت ، والمحجّة قد تنكّرت .
--> ( 1 ) تاريخ الطبري : 5 / 43 . ( 2 ) وقعة صفّين : 319 .