محمد الريشهري

79

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

السماء ، تتهادى إلى نفسه المقدّسة عذوبة شفيفة ، تسكن روحه طمأنينة باذخة ، ورضى أحسّ به بعد أن انتهى من إبلاغ الأُمّة أمر ربّه . الناس يتجمهرون حول النبيّ حلقاً حلقاً . لا ريب أنّ القلوب تموج بمشاعر مختلفة لما حصل . ما الخبر ؟ عليّ أصبح خليفة النبيّ ؟ لم يكن قلّة أُولئك الذين تجاهلوا كلّ جهود النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وما بذله في سبيل هذا الأمر منذ أوّل أيّام البعثة حتى هذه اللحظة ، وما كان اصرارهم على العناد قليلاً ، لذلك شعر النبيّ أنّ مهمّته لم تكتمل بعد ، فلابدّ من المزيد إمكاناً في ترسيخ الأمر ، وإبلاغاً في الحجّة . نادى على عليّ ( عليه السلام ) ، وتوّج رأسه بعمامته " السحاب " . لقد ألفت أعراف ذلك العصر تتويج من يتسنّم زمام الحكم ، وعلى هذا جرى الملوك والأُمراء ، والآن هو ذا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد نصب عليّاً للحكم ، يضع على رأسه العمامة ؛ لأنّ " العمائم تيجان العرب " ( 1 ) . كما حدّثوا عن ثقافة ذلك العصر أنّ العرب عندما كانوا يَنتخِبون شخصاً للإمارة ويسوّدونه عليهم ، كانوا يضعون على رأسه " عمامة " في سلوك كان يدلّ على تثبيت الحاكميّة والولاية ( 2 ) . لقد تحدّث عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) عن هذه المكرمة النبويّة العظيمة ، بقوله : " عمّمني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم غدير خُمّ بعمامة " . كما وثّق المحدّثون والمؤرّخون مراسم هذا التتويج المهيب الذي ينبئ عن العظمة والجلال ، فكان ممّا كتبوه : " أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) دعا عليّ بن أبي طالب يوم غدير

--> ( 1 ) مسند الشهاب : 1 / 75 / 47 ، النهاية في غريب الحديث : 1 / 199 . ( 2 ) تاج العروس : 17 / 506 .