محمد الريشهري
30
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
بقي من قومه . هكذا مضى الأمر . وعندما رآى المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، أنّ خطّتهم تلاشت بوجود عليّ كما تتلاشى خيوط العنكبوت ، وأحلامهم ضاعت ببقاء الإمام أمير المؤمنين في المدينة ، راحوا يُرجفون بأنّ النبيّ ما ترك عليّاً في المدينة إلاّ لموجدة عليه ، وأنّه لو كان له به غرض لما خلفّه على النساء والصبيان ! راحت شائعات حركة النفاق تزحم أجواء المدينة ، وصارت أراجيفهم تحاصر عليّ بن أبي طالب - ليث الوغى وفارس ساحات الجهاد - وتنهال عليه من كلّ حدب وصوب ، فماذا هو فاعل أمير المؤمنين ؟ سرعان ما لحق برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقصّ عليه أراجيف المنافقين ، فما كان من النبيّ الأقدس إلاّ أن تحدّث إلى عليّ بما يكشف عن حظوة كبيرة عند النبيّ ، ومكانة لا تُدانيها مكانة أحد من العالمين ، فقال له بفيض حنان : " ارجع يا أخي إلى مكانك ؛ فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ؛ فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؟ " . بصراحة لا يشوبها لبس سجّل النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) جميع ما له من مناصب ومواقع ومسؤوليّات ما خلا النبوّة ، وأوضح دون أدنى شائبة أنّ الإمام أمير المؤمنين هو الذي يجسّد عمليّاً ديمومة الخطّ النبوي ، وينهض بمسؤوليّات النبيّ عند غيابه ، في زعامة الأُمّة وقيادتها ، وممارسة المرجعيّة الفكريّة والعلميّة للرسالة الإسلاميّة . تسجّل بعض النصوص التاريخيّة أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) خاطب عليّاً بهذه الجملة صراحة : " إنّه لابدّ من إمام وأمير ؛ فأنا الإمام ، وأنت الأمير " ( 1 ) .
--> ( 1 ) راجع : أحاديث المنزلة .