محمد الريشهري

266

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

في ذلك السفر عاد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يؤكّد ما سبق أن أعلنه للأُمّة في ذلك العام بالكناية والتلميح تارة ، وبصراحة ووضوح تارة أُخرى ، من أنّ هذه السنة التي يُمضيها بينهم هي آخر سنيّ عمره الشريف . لهب متأجّج راح يسكن النفوس ، ولوعة متفجّعة راحت تتدافع في الصدور لهذا النبأ المرتقب ، حملت المسلمين على موج من التطلّع والشوق لنبيّهم ، والى أن يستفيدوا ويتعلّموا ويزدادوا من معلّمهم العظيم ما وأتتهم الفرصة المتبقّية لذلك . والنبيّ أيضاً هاجت به أشواقه ، وفاضَ به حماسه الطهور لهذا الحضور المتألّق بين أفواج المسلمين في هذا الموكب المهيب ، وبانتظار تبليغ كلمة هي آخر كلمات السماء وأهمّها على الإطلاق ، وإيصال رسالة هي الأكمل والأخطر . حماس عارم من الأُمّة ، وترقّب نبويّ يشوبه التوجّس لنبأ عظيم حانت لحظته أو كادت . هذا هو المشهد الذي انتهت إليه حجّة الوداع . المسلمون يعودون بعد انتهاء الموسم ، يسلك كلّ فريق السبيل الذي يؤدّي به إلى أهله وسكناه ، لكن في وادي غدير خمّ ، وقبل أن تفترق بهم الطريق إذا صوت السماء يقرع فؤاد النبيّ ، وإذا الوحي يأتيه من فوره ، ملقياً عليه الأمر بحزم : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) . التأمّل في سياق الآية وما فيها من شدّة وتصميم على الإبلاغ ، وما تنطوي عليه من تحذير جادّ ، كلّ ذلك لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ الرسالة هي من الخطورة بمكان ، وإنّ عمليّة الإبلاغ تقترن بالتوجّس نظراً لمحتوى الرسالة وملابسات الموقف .