محمد الريشهري

17

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

القيادة التي تنتظرها ، إلى أُسلوب غائم غير واضح ، وغير محدّد المعالم والتفاصيل ! على أنّ الذي يدحض هذا التصوّر ويستبعده تماماً هو موقف التيّار الذي طالب بالخلافة ، ثمّ تبوّأ مقعدها ؛ فكلّ الأرقام والشواهد في حياة هؤلاء تدلّ بصورة لا تقبل الشكّ أنّ أيّ واحد من هؤلاء لم يستند إلى الشورى كميراث نبوي ، ولم يستدلّ على صحّة موقفة بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) هو الذي اختار نظام الشورى للأُمّة من بعده ، وليس في حياتهم ما يُنبئ عن إيمانهم بالشورى وممارستهم لهما عمليّاً ، فأبو بكر اتجّه إلى " النصب " في تعيين البديل الذي يخلفه ، أمّا عمر بن الخطّاب فلم يلجأ إلى خيار الشورى السداسيّة إلاّ بعد أن دفعته الضرورة لذلك ، حيث لم يرَ البديل المناسب ؛ وفي ذلك يقول وهو على فراش الموت : " لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه ، ولو ثقت به ؛ سالم مولى أبي حذيفة ، وأبي عبيدة بن الجرّاح ( 1 ) ، ولو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى " ( 2 ) . بهذا يتّضح أنّ هذه النظريّة لا تمتّ إلى واقع النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بصلة ، بل هي ممّا أُنتج بعد ذلك بزمن ، وتمّ صياغتها بمرور الوقت لتبرير ما وقع في صدر التاريخ الإسلامي وتصويبه ، ومن ثمَّ فهي أقرب إلى تنظير ما بعد الوقوع ( 3 ) !

--> ( 1 ) الطبقات الكبرى : 3 / 343 . ( 2 ) أُسد الغابة : 2 / 383 / 1892 . ( 3 ) هنا تكمن ورطة الباحثين الإسلاميّين الذين كتبوا في نظام الحكم ، فبعد أن نفى هؤلاء النصّ بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وجنحوا إلى نظام الشورى الذي يعتقدون به ، وعجزوا عن الاستناد إلى نصوص نبويّة تؤيّد اختيارهم النظري ، راحوا يستشهدون بأُمور لا تمتّ إلى هذه الرؤية بصلة قط . راجع على سبيل المثال : كتاب " النظريّات السياسيّة الإسلاميّة " ، و " فقه الشورى والاستشارة " ، و " الشورى وأثرها في الديمقراطيّة " .