المسعودي

54

مروج الذهب ومعادن الجوهر

هذا الإمام المنتصر والمَلِك الحادي عشر وأمره إذا أمر كالسيف ما لاقى بَتَرْ وطرفه إذا نظر كالدهر في خير وشر خلق المنتصر : وقد كان أظهر الإنصاف في الرعية فمالت اليه قلوب الخاصة والعامة ، مع شدة الهيبة منها له . وحدثني أبو الحسن أحمد بن علي بن يحيى المعروف بابن النديم ، قال : حدثنا علي بن يحيى المنجم ، قال : ما رأيت أحدا مثل المنتصر ولا أكرم أفعالًا بغير تبجح منه ، ولا تكلف ، لقد رآني يوماً وأنا مغموم شديد الفكر بسبب ضيعة مجاورة لضيعتي ، وكنت أحب شراءها ، فلم أزل أعمل الحيلة عند مالكها ( 1 ) حتى أجابني إلى بيعها ، ولم يكن عندي في ذلك الوقت قيمة ثمنها ، فصرت إلى المنتصر وأنا على تلك الحال ، فتبين الانكسار في وجهي ، وشغل القلب ، فقال لي : أراك مفكراً فما قضيتك ؟ فجعلت أزْوي عنه خبري ، وأستر قصتي ، فاستحلفني فصدقته عن خبر الضيعة ، فقال لي المنتصر : فكم مبلغ ثمنها ؟ فقلت : ثلاثون ألف درهم ، قال : فكم عندك منها ؟ قلت : عشرة آلاف ، فأمسك عني ولم يجبني ، وتشاغل عني ساعة ، ثم دعا بدواة وبطاقة ، ثم وقع فيها بشيء لا أدري ما هو ، وأشار إلى خادم كان على رأسه بما لم أفهم فمضى الغلام مسرعاً ، وأقبل يشغلني بالحديث ويُطاعمني الكلام ، إلى أن أقبل الغلام فوقف بين يديه ، فنهض المنتصر وقال لي : يا علي ، إذا شئت فانصرف إلى منزلك ، وقد كنت قدرت عند مسألته أنه سيأمر لي بالثمن أو نصفه ، فأتيت وأنا لا أعقل غماً ، فلما وصلت إلى داري استقبلني وكيلي فقال : إن خادم أمير المؤمنين صار إلينا ومعه بغل عليه بدرتان ، فسلمهما إليّ وأخذ خطي بقبضهما ، قال : فداخلني من الفرح والسرور ما لم أملك به نفسي ، ودخلت وأنا لا أصدق قول الوكيل ، حتى

--> ( 1 ) في نسخة : على مالكها .