المسعودي
55
مروج الذهب ومعادن الجوهر
أخرج إليَّ البدرتين ، فحمدت الله تعالى على ما حباه لي ، ووجهت في وقتي إلى صاحب الضيعة فوفيته الثمن ، وتشاغلت سائر يومي بتسليمها والإشهاد بها على البائع ، ثم بكرت إلى المنتصر من الغد ، فما أعاد علي حرفا ، ولا سألني عن شيء ، من خبر الضيعة حتى فرق الموت بيننا . حديث عن العشق : قال المسعودي : وذكر الفضل بن أبي طاهر في كتابه في أخبار المؤلفين قال : حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد الصغير مولى أمير المؤمنين ، قال : كان المنتصر في أيام إمارته ينادمه جماعة من أصحابه ، وفيهم صالح بن محمد المعروف بالحريري ، فجرى في مجلسه ذات يوم ذكر الحب والعشق ، فقال المنتصر لبعض من في المجلس : أخبرني عن أي شيء أعظم عند النفس فَقْداً ، وهي به أشد تفجعاً ؟ قال : فقدُ خِلِّ مُشاكل ، وموت شكل موافق ، وقال آخر ممن حضر : ما أشد جولة الرأي عند أهل الهوى ! وفِطام النفس عند الصبا ، وقد تصدعت أخبار العاشقين من لوم العاذلين ، فلوم العاذلين قُرْطٌ في آذانهم ، ولوعات الحب نيران في أبدانهم ، مع دموع المعاني ، كغروب السَّواني ، وإنما يعرف ما أقول ، من أبكته المغاني والطلول ، وقال آخر : مسكين العاشق ، كل شيء عدوه : هبوب الرياح يقلقه ، ولمعان البرق يؤرقه ، والعذل يؤلمه ، والبعد ينحله ، والذكر يسقمه ، والقرب يهيجه ، والليل يضاعف بلاءه ، والرقاد يَهْرُب منه ، ورسوم الدار تحرقه ، والوقوف على الطلول يبكيه ، ولقد تداوت منه العشاق بالقرب والبعد ، فما نجع فيه دواء ، ولا هداه عزاء ، ولقد أحسن الذي يقول : وقد زعموا أن المحب إذا دنا يملُّ ، وأن النأي يشفي من الوجد بكل تداوينا فلم يُشْفَ ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد فكل قال ، وأكثر الخطب في ذلك ، فقال المنتصر لصالح بن محمد الحريري : يا صالح ، هل عشقت قط ؟ قال : إي والله أيها الأمير ، وإن