المسعودي

4

مروج الذهب ومعادن الجوهر

ألا يا ليت حجراً مات موتاً ولم ينحر كما نحر البعير فإن تهلك فكل عميد قوم إلى هلك من الدنيا يصير ولما صار إلى مرج عذراء على اثني عشر ميلًا من دمشق تقدم البريد بأخبارهم إلى معاوية ، فبعث برجل أعور ، فلما أشرف على حجْر وأصحابه قال رجل منهم : إن صدق الزَّجر فإنه سيقتل منا النصف وينجو الباقون ، فقيل له : وكيف ذلك ؟ قال : أما ترون الرجل المقبل مُصَاباً بإحدى عينيه ، فلما وصل إليهم قال لحجر : إن أمير المؤمنين قد أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان والمتولي لأبي تراب وقتل أصحابك ، إلا أن ترجعوا عن كفركم ، وتلعنوا صاحبكم وتتبرأوا منه ، فقال حجر وجماعة ممن كان معه : إن الصبر على حد السيف لايسر علينا مما تدعونا إليه ، ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيه أحب إلينا من دخول النار ، وأجاب نصف من كان معه إلى البراءة من علي ، فلما قدم حجر ليقتل قال : دعوني أصلي ركعتين ، فجعل يطول في صلاته ، فقيل له : أجَزَعاً من الموت فقال : لا ، ولكني ما تطهرت للصلاة قط إلا صليت وما صليت قط أخف من هذه ، وكيف لا أجزع ، وإني لأرى قبراً محفوراً ، وسيفاً مشهورا ، وكفَناً منشوراً ، ثم تقدم فنحر ، وألحق به من وافقه على قوله من أصحابه ، وقيل : إن قتلهم كان في سنة خمسين . عدي بن حاتم ومعاوية : وذكر أن عدي بن حاتم الطائي دخل على معاوية ، فقال له معاوية : ما فعلت الطرفات ؟ يعني أولاده ، قال : قتلوا مع علي ، قال : ما أنصفك عَليَ قتل أولادك وبقي أولاده ، فقال عدي : ما أنصفْت علياً ، إذ قتل وبقيتَ بعده ، فقال معاوية : أما إنه قد بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن ، فقال عدي : والله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي