المسعودي

91

مروج الذهب ومعادن الجوهر

ثم حلفوا أنهم ما رأوه ، فدعا به الأفعى فقال : ما تقول ؟ فقال : أيها الملك ، هؤلاء ذهبوا ببعيري وهم أصحابه ، فقال لهم الأفعى : ما تقولون ؟ قالوا : رأينا في سفرنا هذا إليك أثرَ بعير فقال إياد : انه لأعور ، قال : وما يدريك أنه أعور ؟ قال : رأيته مجتهداً في رعي الكلإ من شق قد لحسه والشق الآخر وَافٍ كثير الالتفاف لم يمسه فقلت : إنه أعور ( 1 ) ، وقال أنمار : رأيته يرمي ببعرة مجتمعاً ولو كان أهلب لمصَعَ به فعلمت انه أبتر ، وقال ربيعة : رأيت أثر احدى يديه ثابتا والآخر فاسداً فعلمت أنه أزْوَر ، وقال مضر : رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعدَّاها فيمر بالكلأ الملتفِّ الغض فلا ينهش منه ( 2 ) حتى يأتي ما هو أرق منه ، فيرعى فيه ، فعلمت أنه شرود ، فقال الأفعى : صدقوا ( 3 ) ، قد أصابوا اثر بعيرك وليسوا بأصحابه ، التمس بعيرك ، ثم قال الأفعى للقوم : من أنتم ؟ فأخبروه بحالهم ، وانتسبوا إليه فرحَّبَ بهم وحياهم ثم قال : ما خطبكم ؟ فقصوا عليه قصة أبيهم ، قال الأفعى : وكيف تحتاجون إليَّ وأنتم على ما أرى ؟ قالوا : أمرنا بذلك أبونا ، ثم أمر بهم فأنزلوا ، وامر خادماً له على دار الضيافة أن يحسن إليهم ويكرم مَثْوَاهم وإلطافهم ( 4 ) بأفضل ما يقدر عليه ثم أمر وصيفاً له من بعض خدمه ظريفاً اديباً ، فقال له : انظر كل كلمة تخرج من أفواههم فأتِنِي بها ، فلما نزلوا بيت الضيافة أتاهم القَهْرَمانُ بقرص من شهد فأكلوا وقالوا : ما رأينا شهداً أعذب ولا أحسن ولا أشد حلاوة منه ، فقال إياد : صدقتم لولا أن نحله ألقاه في هامة جبار ، فوعاها الغلام ، فلما حضر غداؤهم وجئ بالشواء فإذا بشاة مَشْوِية فأكلوها وقالوا : ما رأينا شواء أجود شيّا ولا ارخص لحماً ولا اسمن منه ، فقال أنمار : صدقتم لولا أنه غُذي بلبن كلبة . ثم جاءهم بالشراب فلما شربوا قالوا : ما رأينا خمراً

--> ( 1 ) وفي نسخة : فعلمت أنه أعور . ( 2 ) وفي نسخة : فلا ينعش منه . ( 3 ) وفي نسخة : صدقتم . ( 4 ) في نسخة : ويلطفهم بأكثر ما يقدر عليه .