المسعودي
68
مروج الذهب ومعادن الجوهر
الرأس ( 1 ) قد طالت أظفاره وساءت حاله ، حتى جلس مَزْجَرَ الكلب ، ومد يده ، فناولته القينة طعاماً ، فأكل ، فلم يغن عنه شيئاً ، فمد يده ، فقالت القينة : إن تعط العبد كُرَاعاً طلب ذراعاً ، فأرسلتها مثلًا ، ثم ناولت صاحبيها من شرابها ، وأوكت زِقَّها ( 2 ) ، فقال عمرو بن عدي : عدَلْت الكأس عنا أمَّ عمرو وكان الكأسُ مجراها اليمينا وما شَرُّ الثلاثة أمَّ عمرو بصاحبك الذي لا تصبحينا ( 3 ) فقال له الرجلان : من أنت ؟ فقال : إن تنكراني فان تنكرا حسبي ( 4 ) ، أنا عمرو بن عدي ، فقاما إليه فلثماه ، وغَسَلا رأسه ، وقَلَّما أظفاره ، وقَصَّرا من لمته ، وألبساه من طرائف ثيابهما ، وقالا : ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي أنفس عنده ولا هو عليها أحرص ( 5 ) من ابن أخته ، قد ردَّه الله اليه ، فخرجا به ، حتى إذا وقفا على باب الملك بَشراه به فسر به وصرفه إلى أمه ، وقال لهما : حُكمَكما ، فقالا : حكمنا منادمتك ما بقيت وبقينا ، قال : ذلك لكما ، فهما نَدمانا جذيمة المعروفان ، وإياهما عنى متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته لأخيه مالك حين قتله خالد بن الوليد ابن المغيرة يوم البطاح : وكنا كنَدْمانَيْ جَذِيمة حقبةً من الدهر حتى قيل : لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقال أبو خراش الهذلي : ألم تعلمي أن قد تفرَّق قبلنا خليلا صفاء مالك وعقيل
--> ( 1 ) وفي نسخة : رجل شعث الرأس وقد طالت أظفاره . ( 2 ) وفي نسخة : وأوكأت سقاءها . ( 3 ) والبيتان ينسبان لعمرو بن معد يكرب ، وهما في طويلته . ( 4 ) وفي نسخة : فلن تنكرا نسبي . ( 5 ) وفي نسخة : ولا هو عليها أحسن صفداً من ابن أخته ، والصفد : العطاء .