المسعودي
28
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ذلك ثواب خرج من معقول كلام العرب ومفهوم خطابها ، لأنه لا يقال لمن أعطى الأجير أجرته ووفّى العامل ثوابه : قد اختص فلان فلاناً بعطيته ، وإنما يقال ذلك إذا تطوع عليه ( 1 ) بالعطية بغير عمل ومنعها غيره بغير جرم ، وإن زعموا أنه تفضُّلٌ قلنا لهم : فإذا جاز أن يصرف الله عز وجل رحمته إلى بعض خلقه بغير عمل استحقوها به فَلِمَ لا يجوز أن يشرفهم بأنسابهم ، وإن لم تكن الأنساب من أعمالهم ؟ ! فإن قالوا : ليس من العدل ( 2 ) أن يشرفهم بغير أعمالهم ، قلنا لهم : أرأيتكم إن عارضكم معارض ، فزعم أنه ليس من العدل أن يمن عليهم برحمته دون غيرهم بغير عمل كان منهم ، وبغير معصية كانت من غيرهم ، ما ذا يكون الفصل بينكم معاشر الشعوبية وبينه ، وقد أخبر الله عمن اصطفاه من خلقه فقال : إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم ؟ والواجب على ذي النسب الشريف ، والمجد الرفيع ، أن لا يجعل ذلك سلماً إلى التراخي عن الأعمال الموافقة لنسبه ، والاتكال على آبائه ( 3 ) ، فإن شرف الأنساب يحض ( 4 ) على شرف الأعمال ، والشريف بهذا أولى ، إذ كان الشرف يدعو إلى الشرف ولا يثبط عنه ، كما أن الحسن يدعو إلى الحسن ويحرك عليه وأكثر الممدوحين إنما مدحوا بأعمالهم دون أنسابهم ، وهذا كثير في أشعار الناس ومنثور كلامهم ، وقد قال الشاعر في هاشم بن عبد مناف وهو إمام ذوي الأنساب : عَمْرو الذي هَشَمَ الثريد لقومه ورجال مكة مُسْنِتُونَ عِجَافُ فمدحه بعمله ، ولم يذكر نسبه ، وإن كان شريفاً رفيعاً ، وإنما ينبغي
--> ( 1 ) في بعض النسخ « تطول عليه بالعطية » . ( 2 ) في بعض النسخ : ليس في العدل أن يشرفهم . ( 3 ) في بعض النسخ : والانكار على آبائه . ( 4 ) في بعض النسخ : يختص على أشرف الأعمال .