المسعودي

385

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وطيب تربة وثراوة ، وكانت جناناً ونخلًا وكرماً وشجراً ومزارع ، وكانت فيها مجار ( 1 ) على ارتفاع من الأرض وقرى على قرارها ، ولم ير الناس بلداً كان أحسن من هذه الأرض ، ولا أحسن اتصالا من جنانها وكرومها ، ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبهها إلا الفيوم ، وكانت أكثر خيراً من الفيوم وأخصب وأكثر فاكهة ورياحين من الأصناف الغريبة ، وكان الماء منحدراً إليها لا ينقطع عنها صيفاً ولا شتاء ، يسقون منه جنانهم إذا شاؤوا ، وكذلك زروعهم ، وسائره يصب إلى البحر من سائر خُلْجَانه ، ومن الموضع المعروف بالأشتوم ، وقد كان بين البحر وبين هذه الأرض نحو مسيرة يوم ، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس طريق مسلوكة إلى قبرس تسلكه الدواب يَبَساً ، ولم يكن فيما بين العريش وجزيرة قبرس إلا مخاضة ، وجزيرة قبرس اليوم بينها وبين العريش في البحر سير طويل ، وكذلك فيما بينها وبين أرض الروم ، وقد كان بين الأندلس وبين الموضع الذي يسمى الخضراء - وهو قريب من فاس المغرب وطنجة - قنطرة مبنية بالحجارة والطوب تمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب من بلاد الأندلس إلى المغرب ( 2 ) ، وماء البحر تحت تلك القنطرة متقطع خلجانات صغاراً تجري تحت قناطرها وما عقد من الطاقات تحتها على صخور صُمّ ، وقد عقد من كل حجر إلى حجر طاق ، وهو مبدأ بحر الروم الآخذ من أوقيانوس ، وهو البحر المحيط الأكبر ، فلم يزل البحر يزيد ماؤه ويعلو أرضاً فأرضاً في طول ممر السنين ، يرى زيادته أهل كل زمان ، ويتبينه أهل كل عصر ،

--> ( 1 ) في بعض النسخ : قرى على ارتفاع من الأرض وقرى على قرارها . ( 2 ) في بعض النسخ : من ساحل المغرب إلى بلاد الأندلس ومنه إلى المغرب .