محمد بن أبي القاسم الطبري
376
بشارة المصطفى
ومعه أهل الشام ، إذ أقبل علي بن الحسين بن أبي طالب ( عليهم السلام ) من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا ( 1 ) فطاف بالبيت ، فلما بلغ إلى الحجر تنحى الناس حتى يستلمه ، فقال رجل من أهل الشام : من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة ؟ فقال هشام : لا أعرفه - مخافة ان يرغب فيه أهل الشام - وكان الفرزدق حاضرا فقال : لكني أعرفه ، فقال الشامي من هو يا أبا فراس ؟ فقال : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ( 2 ) * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضي ( 3 ) حياء ويغضى من مهابته * ولا يكلم إلا حين يبتسم من جده دان فضل الأنبياء له * وفضل أمته دانت له الأمم ينشق نور الهدى عن نور غرته * كالشمس ينجاب ( 4 ) عن إشراقها الظلم ( 5 ) مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم ( 6 ) والشيم ( 7 ) فقال : فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة وبلغ ذلك علي بن الحسين فبعث إلى الفرزدق بأثني عشر ألف درهم وقال : اعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من ذلك لوصلناك به ، فردها الفرزدق وقال : يا بن رسول الله ما قلت الذي قلت إلا غضبا لله ولرسوله وما كنت لأرزأ عليه شيئا ، فقال : شكر الله لك ذلك إلا إنا أهل البيت إذا أنفذنا أمرا لم نعد فيه ، فقبلها وجعل يهجو هشاما
--> ( 1 ) أرج أرجا : فاحت منه رائحة طيبة . ( 2 ) عرفان راحته مفعول لأجله . ( 3 ) الاغضاء : إدناء الجفون ، وأغضى على الشئ : سكت . ( 4 ) ينجاب ، انجابت السحاب : انكشفت . ( 5 ) في الأصل : القتم ، وما أثبتناه من البحار ، والقتم : الغبار . ( 6 ) الخيم - بالكسر - السجية والطبيعة . ( 7 ) الشيم - بالكسر - وهي الطبيعة .