الشيخ فخر الدين الطريحي
130
مجمع البحرين
من هذا الحديث عن النبي ص هو أنه بين أن القدر في حق العباد واقع على معنى تدبير الربوبية ، وهذا لا يبطل تكليفهم العمل لحق العبودية ، وكل من الخلق مسير لما دبر له في الغيب ، فيسوقه العمل إلى ما كتب من سعادة أو شقاوة ، ومعنى العمل التعرض للثواب والعقاب . وفي الخبر نهى أن يقعد على القبر قيل أراد القعود لقضاء الحاجة من الحديث وقيل أراد للإحداد والحزن ، وهو أن يلازمه ولا يرجع عنه ، وقيل أراد به احترام الميت وفي القعود عليه تهاون بالميت والموت . وروي أنه رأي رجلا متكأ على قبر فقال : لا تؤذ صاحب القبر والقعود - بالفتح - من الإبل : ما اتخذه الراعي للركوب وحمل الزاد ، والجمع أقعدة وقعدات وقعائد ، وقيل القعود القلوص ، وقيل القعود البكر قبل أن يثني ثم هو جمل . وفي الخبر لا يكون الرجل متقيا حتى يكون أذل من قعود كل من أتى عليه أرقاه أي قهره وأذله ، لأن البعير إنما يرغو من ذلة واستكانة . وقعد عن الأمر : إذا لم يهتم له . وقعد به الضعف : أي جعله قاعدا لا يقدر على النهوض . وتستعمل قعد ناقصة بمعنى صار في قولهم أرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة أي صارت الشفرة كأنها حربة ، ولعل صار أيضا تستعمل بمعنى قعد ، ويتخرج على ذلك قوله ع في حديث آدم فغمزه - يعني جبرئيل - فصير طوله سبعين ذراعا بذراعه ، وغمز حواء ع فصير طولها خمسة وثلاثين ذراعا بذراعها . وقعد قعودا ومقعدا جلس ، وأقعد غيره . والحائض تقعد عن الصلاة أيام أقرائها : يعني لا تصلي فيهن شيئا . والقعدة بالفتح المرة الواحدة ، وبالكسر النوع ، ومنه ذو القعدة بالفتح شهر كانت العرب تجلس فيه عن الغزو .