ابن كثير
8
البداية والنهاية
عثمان على القضاء فأبى ذلك ، وكذلك أبوه ، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرس ، وشهد فتح مصر ، واختط بها دارا ، وقدم البصرة وشهد غزو فارس وورد المدائن مرارا وكان عمره يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين وعشرين سنة ، وكان إذا أعجبه شئ من ماله يقربه إلى الله عز وجل ، وكأن عبيده قد عرفوا ذلك منه ، فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه ، فيقال له : إنهم يخدعونك ، فيقول : من خدعنا لله انخدعنا له ، وكان له جارية يحبها كثيرا فأعتقها وزوجها لمولاه نافع ، وقال : إن الله تعالى يقول ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) [ آل عمران : 92 ] واشترى مرة بعيرا فأعجبه لما ركبه فقال : يا نافع أدخله في إبل الصدقة ، وأعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف فقال : أو خيرا من ذلك ؟ هو حر لوجه الله ، واشترى مرة غلاما بأربعين ألفا وأعتقه فقال الغلام : يا مولاي قد أعتقتني فهب لي شيئا أعيش به فأعطاه أربعين ألفا ، واشترى مرة خمسة عبيد فقام يصلي فقاموا خلفه يصلون فقال : لمن صليتم هذه الصلاة ؟ فقالوا : لله ! فقال : أنتم أحرار لمن صليتم له ، فأعتقهم . والمقصود أنه ما مات حتى أعتق ألف رقبة ، وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا ، وكانت تمضي عليه الأيام الكثيرة والشهر لا يذوق فيه لحما إلا وعلى يديه يتيم ، وبعث إليه معاوية بمائة ألف لما أراد أن يبايع ليزيد ، فما حال عليه الحول وعنده منها شئ ، وكان يقول : إني لا أسأل أحدا شيئا ، وما رزقني الله فلا أرده . وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه ، وأدى إليه زكاة ماله ، وكان أعلم الناس بمناسك الحج ، كان يتتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلي فيها ، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء ، وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة ، وكان يقوم أكثر الليل ، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه ، وكان يوم مات خير من بقي ، ومكث ستين سنة يفتي الناس من سائر البلاد ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أحاديث كثيرة ، وروى عن الصديق وعن عمر وعثمان وسعد وابن مسعود وحفصة وعائشة وغيرهم . وعنه خلق منهم بنوه حمزة وبلال وزيد وسالم وعبد الله وعبيد الله وعمر إن كان محفوظ ، وأسلم مولى أبيه وأنس بن سيرين والحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وطاووس وعروة وعطاء وعكرمة ومجاهد وابن سيرين والزهري ومولاه نافع . وثبت في الصحيح عن حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم الليل " . وكان بعد يقوم الليل ، وقال ابن مسعود : إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر . وقال جابر : ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها ، إلا ابن عمر ، وما أصاب أحد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله وإن كان عليه كريما ، وقال سعيد بن المسيب : مات ابن عمر يوم مات وما من الدنيا أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله منه ، وقال الزهري لا يعدل برأيه فإنه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة ، فلم يخف عليه شئ من أمره ولا من أمر أصحابه رضي الله عنهم . وقال مالك : بلغ ابن عمر ستا وثمانين سنة وأفتى في الاسلام ستين سنة ، تقدم عليه وفود الناس من