ابن كثير

68

البداية والنهاية

ثم إن روحا بكى طويلا وأمر بتلك الأطعمة فرفعت ، وقال : انظروا هل تجدون لها آكلا من هذه الاعراب أو الرعاة ؟ ثم سار من ذلك المكان وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه وصغرت إليه نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم . ثم دخلت سنة خمس وثمانين فيها كما ذكر ابن جرير : كان مقتل عبد الرحمن بن الأشعث فالله أعلم ، وفيها عزل الحجاج عن إمرة خراسان يزيد بن المهلب وولى عليها أخاه المفضل بن المهلب ، وكان سبب ذلك أن الحجاج وفد مرة على عبد الملك فلما انصرف مر بدير فقيل له : إن فيه شيخا كبيرا من أهل الكتاب عالما ، فدعي فقال : يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه وما نحن فيه ؟ قال : نعم . قال له فما تجدون صفة أمير المؤمنين ؟ قال : نجده ملكا أقرع ، من يقم في سبيله يصرع ، قال : ثم من ؟ قال : ثم رجل يقال له الوليد ، قال : ثم ماذا ؟ قال ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس ، قال : فتعرفني له قال : قد أخبرت بك . قال : أفتعرف مالي ؟ قال : نعم ! قال : فمن يلي العراق بعدي ؟ قال رجل يقال له يزيد ، قال أفي حياتي أو بعد موتي ؟ قال لا أدري ، قال : أفتعرف صفته ؟ قال يغدر غدرة لا أعرف غيرها قال : فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب ، وسار سبعا وهو وجل من كلام الشيخ ، ثم بعث إلى عبد الملك يستعفيه من ولاية العراق ليعلم مكانته عنده ؟ فجاء الكتاب بالتقريع والتأنيب والتوبيخ والامر بالثبات والاستمرار على ما هو عليه . ثم إن الحجاج جلس يوما مفكرا واستدعى بعبيد بن موهب فدخل عليه وهو ينكت في الأرض فرفع رأسه إليه فقال : ويحك يا عبيد ، إن أهل الكتاب يذكرون أن ما تحت يدي سيليه رجل يقال له يزيد ، وقد تذكرت يزيد بن أبي كبشة ويزيد بن حصين بن نمير ويزيد بن دينار وليسوا هناك ، وما هو إلا يزيد بن المهلب . فقال عبيد : لقد شرفهم وعظمت ولايتهم وإن لهم لقدرا وجلدا وحظا فأخلق به . فأجمع رأي الحجاج على عزل يزيد بن المهلب ، فكتب إلى عبد الملك يذمه ويخوفه غدره ويخبره بما أخبره به ذلك الشيخ الكتابي ، فجاء البريد بكتاب فيه قد أكثرت في شأن يزيد فسم رجلا يصلح لخراسان ، فوقع اختيار الحجاج على المفضل بن المهلب فولاه قليلا تسعة أشهر ( 1 ) ، فغزا بلاد عبس وغيرها وغنم

--> ( 1 ) في ابن الأعثم 7 / 199 أحب الحجاج أن يعزل يزيد عن خراسان ( ويذل آل المهلب ) فتزوج لأخت يزيد ، وأمر يزيد أن ينصرف إلى ما قبله وهو يعتل بحروب خراسان ، فولى أخاه المفضل الري ليكون خليفة ليزيد إلى أن ينصرف إليها ( يزيد ) وفي كتابه إليه امره أن يسلم العمل إلى المفضل وأن يقدم إليه . فشاور يزيد حضين بن المنذر الربعي ( وفي ابن الأثير : الرقاشي ) فأشار عليه بعدم المصير إلى الحجاج وخوفه منه . فقال يزيد : نحن أهل بيت قد بورك لنا في الطاعة وأنا أكره الخلاف . . . فتجهز وخرج من خراسان ، فقدم المفضل إلى خراسان . وبلغ الحجاج ذلك فدعا قتيبة بن مسلم فعقد له عقدا وضم إليه جيشا وولاه خراسان ( وانظر ابن الأثير 4 / 503 - 504 ) . والطبري 8 / 43 .