ابن كثير

40

البداية والنهاية

بقتله ، ودخل ابن الأشعث يوما على الحجاج وعنده عامر الشعبي ( 1 ) فقال انظر إلى مشيته والله لقد هممت أن أضرب عنقه ، فأسرها الشعبي إلى ابن الأشعث فقال ابن الأشعث : وأنا والله لأجهدت أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء . والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه الجنود وبذل فيهم العطاء ثم اختلف رأيه فيمن يؤمر عليهم ، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فقدمه عليهم ، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث فقال للحجاج : إني أخاف أن تؤمره فلا ترى لك طاعة إذا جاوز جسر الصراه ( 2 ) ، فقال : ليس هو هنالك هو لي حبيب ، ومتى أرهب أن يخالف أمري أو يخرج عن طاعتي ، فأمضاه عليهم ، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل ، فلما بلغ رتبيل مجئ ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه رتبيل يتعذر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة الماضية ، وأنه كان لذلك كارها ، وأن المسلمين هم الذين ألجؤه إلى قتالهم ، وسأل من ابن الأشعث أن يصالحه وأن يبذل للمسلمين الخراج ، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك ، وصمم على دخول بلاده ، وجمع رتبيل جنوده وتهيأ له ولحربه ، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلدا أو مدينة أو أخذ قلعة من بلاد رتبيل استعمل عليها نائبا من جهته يحفظها له ، وجعل المشايخ ( 3 ) على كل أرض ومكان مخوف ، فاستحوذ على بلاد ومدن كثيرة من بلاد رتبيل ، وغنم أموالا كثيرة جزيلة ، وسبى خلقا كثيرة ، ثم حبس الناس عن التوغل في بلاد رتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد ، ويتقووا بما فيها من المغلات والحواصل ، ثم يتقدمون في العام المقبل إلى أعدائهم فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم حتى يحاصروا رتبيل وجنوده في مدينتهم مدينة العظماء على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها ثم يقتلون مقاتلتهم ، وعزموا على ذلك ، وكان هذا هو الرأي ، وكتب ابن الأشعث إلى الحجاج يخبره بما وقع من الفتح وما صنع الله لهم ، وبهذا الرأي رآه لهم ، وقال بعضهم كان الحجاج قد وجه هميان بن عدي السدوسي إلى كرمان مسلحة لأهلها ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى ذلك ، فعصي هميان ومن معه على الحجاج ، فوجه الحجاج إليه ابن الأشعث فهزمه وأقام ابن الأشعث بمن معه ، ومات عبيد الله بن أبي بكرة فكتب الحجاج إلى ابن الأشعث بإمرة سجستان مكان ابن أبي بكرة وجهز إلى ابن الأشعث جيشا أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم ، وكان يدعى هذا الجيش جيش الطواويس ، وأمره بالاقدام على رتبيل فكان من أمره معه ما تقدم .

--> ( 1 ) هو عامر بن شراحيل الشعبي ، من التابعين ، اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم مات سنة 103 ه‍ بالكوفة . انظر تهذيب التهذيب 5 / 65 وتهذيب ابن عساكر 7 / 138 . ( 2 ) في الطبري 8 / 4 وابن الأثير 4 / 455 : جسر الفرات ، وفي ابن الأعثم 7 / 115 قال : جاءت اخوة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث منهم قيس وإسحاق والمنذر والصباح حتى دخلوا على الحجاج فقالوا : لا توجه عبد الرحمن في هذا الجيش ، فإنا نتخوف أن يخرج عليك ! قال : ليس هذا أول حسد الاخوة ، وانما أنتم حسدتموه لأنه ليس من أمكم . . . ( وانظر الإمامة والسياسة 2 / 37 ) . ( 3 ) في الطبري وابن الأثير : المسالح .