ابن كثير

376

البداية والنهاية

وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري : إذا طال المجلس كان للشيطان فيه حظ ونصيب ، وقد قضى عنه هشام مرة ثمانين ألف درهم ، وفي رواية سبعة عشر ألفا ، وفي رواية عشرين ألفا . وقال الشافعي : عتب رجاء بن حياة على الزهري في الاسراف وكان يستدين ، فقال له : لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانيك ، قال : فوعده الزهري أن يقصر ، فمر به بعد ذلك وقد وضع الطعام ونصب موائد العسل ، فوقف به رجاء وقال : يا أبا بكر ما هذا بالذي فارقتنا عليه ، فقال له الزهري : انزل فإن السخي لا تؤدبه التجارب . وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى : له سحائب جود في أنامله * أمطارها الفضة البيضاء والذهب يقول في العسر إن أيسرت ثانية * أقصرت عن بعض ما أعطى وما أهب حتى إذا عاد أيام اليسار له * رأيت أمواله في الناس تنتهب وقال الواقدي : ولد الزهري سنة ثمان وخمسين ، وقدم في سنة أربع وعشرين ومائة إلى أمواله بثلاث بشعب زبدا ، فأقام بها فمرض هناك ومات وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق ، وكانت وفاته لسبع عشرة من رمضان في هذه السنة ، وهو ابن خمس وسبعين سنة ، قالوا : وكان ثقة كثير الحديث والعلم والرواية ، فقيها جامعا ، وقال الحسين ( 1 ) بن المتوكل العسقلاني : رأيت قبر الزهري بشعب زبدا ( 2 ) من فلسطين مسنما مجصصا ، وقد وقف الأوزاعي يوما على قبره فقال : يا قبر كم فيك من علم ومن حلم * يا قبر كم فيك من علم ومن كرم * وكم جمعت روايات وأحكاما . وقال الزبير بن بكار : توفي الزهري بأمواله بشعب ثنين ، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة ، عن ثنتين وسبعين سنة ، ودفن على قارعة الطريق ليدعو له المارة ، وقيل إنه توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة ، وقال أبو معشر : سنة خمس وعشرين ومائة ، والصحيح الأول والله أعلم . فصل وروى الطبراني : عن إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال : أخبرني صالح بن كيسان قال : اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا : نحن نكتب السنن ، فكتبنا ما جاء عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال لي : هلم فلنكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة ، فقلت :

--> ( 1 ) في صفة الصفوة 2 / 139 : الحسن . ( 2 ) في صفة الصفوة عن الحسن بن المتوكل : بأدامي وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز وقال ابن خلكان 4 / 178 : دفن بأدامي وقيل أدمي وهي خلف شغب وبدا وهما واديان بين فلسطين والحجاز .