ابن كثير
37
البداية والنهاية
سبعمائة ألف ( 1 ) ، ويفتحوا للمسلمين طريقا يخرجون عنه ويرجعون عنهم إلى بلادهم ، فانتدب شريح بن هانئ - وكان صحابيا ، وكان من أكبر أصحاب علي وهو المقدم على أهل الكوفة - فندب الناس إلى القتال والمصابرة والنزال والجلاد بالسيوف والرماح والنبال ، فنهاه عبيد الله بن أبي بكرة فلم ينته ، وأجابه شرذمة ( 2 ) من الناس من الشجعان وأهل الحفائظ ، فما زال يقاتل بهم الترك حتى فني أكثر المسلمين رضي الله عنهم ، قالوا وجعل شريح بن هانئ يرتجز ، ويقول : أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا * قد عشت بين المشركين أعصرا ثم ( 3 ) أدركت النبي المنذرا * وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا * والجمع في صفينهم والنهرا ( 4 ) هيهات من أطول هذا عمرا ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه ، وقتل معه خلق ( 5 ) من أصحابه ، ثم خرج من خرج من الناس صحبة عبيد الله بن أبي بكرة من أرض رتبيل ، وهم قليل ، وبلغ ذلك الحجاج فأخذ ما تقدم وما تأخر ، وكتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك ويستشيره في بعث جيش كثيف إلى بلاد رتبيل لينتقموا منه بسبب ما حل بالمسلمين في بلاده ، فحين وصل البريد إلى عبد الملك كتب إلى الحجاج بالموافقة على ذلك ، وأن يعجل ذلك سريعا ، فحين وصل البريد إلى الحجاج بذلك أخذ في جمع الجيوش فجهز جيشا كثيفا لذلك على ما سيأتي تفصيله في السنة الآتية بعدها . وقيل إنه قتل من المسلمين مع شريح بن هانئ ثلاثون ألفا وابتيع الرغيف مع المسلمين بدينار وقاسوا شدائد ، ومات بسبب الجوع منهم خلق كثير أيضا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد قتل المسلمون من الترك خلقا كثيرا أيضا قتلوا أضعافهم . ويقال إنه في هذه السنة استعفى شريح من القضاء فأعفاه الحجاج من ذلك وولى مكانه أبا بردة ابن أبي موسى الأشعري ، وقد تقدمت ترجمة شريح عند وفاته في السنة الماضية والله أعلم .
--> ( 1 ) ذكر ابن الأعثم في فتوحه 7 / 112 شروط رتبيل وهي : أن يضع عنه الخراج عشر سنين ، وأن يعطى نصف سلاح وكراع عبيد الله ، وان يعطيه أيضا ألف ألف درهم ، وان يعطيه ولده وأشراف قومه رهائن . ( 2 ) في الطبري 7 / 282 وابن الأثير 4 / 451 : فاتبعه ناس من المقطوعة غير كثير وفرسان الناس وأهل الحفاظ ، وفي ابن الأعثم : فتقدم ( شريح ) يومئذ عشرة آلاف رجل من أهل الكوفة . ( 3 ) في الطبري ثمت ، وفي ابن الأثير : ثمة وهو أصوب . ( 4 ) في ابن الأعثم ، والجمل المعروف يدعى عسكرا . وبعده في الطبري وابن الأثير : ويا جميرات مع المشقرا . . . * وليس المصراع في ابن الأعثم ( 5 ) في ابن الأعثم : قتل جميع من كان معه من أهل الكوفة ، أما ابن أبي بكرة فإنه صالح رتبيل على الشروط التي ذكرت سابقا - انظر حاشية 1 ص 29 . وفي ذلك يقول أعشى همدان أبياتا مطلعها : ما بال حزن في الفؤاد يولج * ودمعك المنحدر المنهج