ابن كثير

38

البداية والنهاية

قال الواقدي وأبو معشر وغير واحد من أهل السير : وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان أمير المدينة النبوية ، وفيها قتل قطري بن الفجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي ، وكان من الشجعان المشاهير ، ويقال إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه بالخلافة ، وقد جرت له خطوب وحروب مع جيش المهلب بن أبي صفرة من جهة الحجاج وغيره ، وقد قدمنا منها طرفا صالحا في أماكنه ، وكان خروجه في زمن مصعب بن الزبير ، وتغلب على قلاع كثيرة وأقاليم وغيرها ، ووقائعه مشهورة وقد أرسل إليه الحجاج جيوشا كبيرة فهزمها ، وقيل إنه برز إليه رجل من بعض الحرورية وهو على فرس أعجف وبيده عمود حديد ، فلما قرب منه كشب قطري عن وجهه فولى الرجل هاربا فقال له قطري إلى أين ؟ أما تستحي أن تفر ولم تر طعنا ولا ضربا ؟ فقال إن الانسان لا يستحي أن يفر من مثلك ، ثم إنه في آخر أمره توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش فاقتتلوا بطبرستان ، فعثر بقطري فرسه فوقع إلى الأرض فتكاثروا عليه فقتلوه وحملوا رأسه إلى الحجاج ، وقيل إن الذي قتله سودة بن الحر الدارمي ( 1 ) ، وكان قطري بن الفجاءة مع شجاعته المفرطة وإقدامه من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وجودة الكلام والشعر الحسن ، فمن مستجاد شعره قوله يشجع نفسه وغيره ومن سمعها انتفع بها : أقول لها وقد طارت شعاعا ( 2 ) * من الابطال ويحك لن تراعي فإنك لو طلبت بقاء يوم ( 3 ) * على الاجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاعي ولا ثوب الحياة ( 4 ) بثوب عز * فيطوى عن أخي الخنع اليراعي سبيل الموت غاية كل حي ( 5 ) * وداعيه لأهل الأرض داع فمن لا يغتبط يسأم ويهرم * وتسلمه المنون إلى انقطاعي ( 6 )

--> ( 1 ) في ابن الأثير 4 / 442 سورة بن الحر التميمي ، وفي الطبري 7 / 275 : سورة بن أبجر التميمي ، وذكرا أنه وآخرين معه قتلوه وكل منهم ادعى قتله . وفي ابن الأعثم 7 / 80 : قتله باذام واحتز رأسه ( وفي ابن الأثير باذان مولاهم - كان في الجماعة التي قدمت عليه وقتلوه ) . ( 2 ) في أمالي المرتضى 1 / 636 إذا جاشت حياء . وفي نهاية الإرب : وقولي كلما جشأت وجاشت ، وفي عيون الأخبار والحيوان : وقولي كلما جشأت لنفسي طارت شعاعا : أي تفرقت وانتشرت من الخوف . ( 3 ) في أمالي المرتضى والتبريزي ولباب الآداب : والحيوان : حياة يوم . ( 4 ) في أمالي المرتضى : وما طول الحياة بثوب مجد ، وفي لباب الآداب ، وما ثوب أخو الخنع . الخنع : الذليل ، واليراع : الجبان . ( 5 ) في أمالي المرتضى ولباب الآداب : منهج كل حي . ( 6 ) في بهجة المجالس : يهرم ويسقم ، وفي أمالي المرتضى : وتفض به المنون . وفي اللباب : ويفض به الأمان . يعتبط : يموت من غير علة .