ابن كثير

354

البداية والنهاية

ذلك الأمير ثم عمل على قتله فقتله ، وتفرقت الأتراك يعدو بعضهم على بعض ، وينهب بعضهم بعضا ، وبعث أسد إلى أخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر والظفر بخاقان ، وبعث إليه بطبول خاقان - وكانت كبارا لها أصوات كالرعد وبشئ كثير من حواصله وأمتعته ، فأوفدها خالد إلى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحا شديدا ، وأطلق للرسل أموالا جزيلة كثيرة من بيت المال وقد قال بعض الشعراء في أسد يمدحه على ذلك : - لو سرت في الأرض تقيس الأرضا * تقيس منها طولها والعرضا لم تلق خيرا إمرة ونقضا * من الأمير أسد وأمضى أفضى إلينا الخير حتى أفضا * وجمع الشمل وكان أرفضا ما فاته خاقان إلا ركضا * قد فض من جموعه ما فضا يا بن سريج ( 1 ) قد لقيت حمضا * حمضا به تشفى صداع المرضى وفيها قتل خالد بن عبد الله القسري المغيرة بن سعيد وجماعة من أصحابه الذين تابعوه على باطله ، وكان هذا الرجل ( 2 ) ساحرا فاجرا شيعيا خبيثا ، قال ابن جرير : ثنا ابن حميد ، ثنا جرير ، عن الأعمش قال : سمعت المغيرة بن سعيد يقول : لو أراد أن يحيى عادا وثمودا وقرونا بين ذلك لأحياهم . قال الأعمش : وكان المغيرة هذا يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور ، أو نحو هذا من الكلام . وذكر ابن جرير له غير ذلك من الأشياء التي تدل على سحره وفجوره . ولما بلغ خالدا أمره أمر بإحضاره فجئ به في ستة نفر أو سبعة نفر ، فأمر خالد فأبرز سريره إلى المسجد ، وأمر باحضار أطناب القصب والنفط فصب فوقها ، وأمر المغيرة أن يحتضن طنبا منها ، فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنبا واحدا وصب فوق رأسه النفط ، ثم أضرم بالنار . وكذلك فعل ببقية أصحابه . وفي هذه السنة خرج رجل يقال له بهلول بن بشر ويلقب بكثارة ، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة ، وقصدوا قتل خالد القسري ، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل أمرهم جدا لشجاعتهم وجلدهم ، وقلة نصح من يقاتلهم من الجيوش ، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة ، ذوات الأسلحة والخيل المسومة ، هذا وهم لم يبلغوا المائة ، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة هشام ، فقصدوا نحوها ، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما ، فقتلوا

--> ( 1 ) من الطبري ، وفي الأصل شريح . ( 2 ) كان المغيرة بن سعيد من القائلين بالتجسيم أي أن الله على صورة رجل على رأسه تاج ، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء ويقول ما لا ينطق به لسان ، ويقول بتكفير أبي بكر وعمر وان الله تعالى لما أراد أن يخلق تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع على تاجه ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات . ( الفرق بين الفرق ص 181 - 182 ابن الأثير 5 / 208 ) .