ابن كثير
313
البداية والنهاية
لأهله منك يا بن آدم لله عز وجل . وفي رواية أنه قال : إني لأصلي حتى ترم قدماي ، فقال له : إنك إن تبت تائبا ، وتصبح نادما ، خير لك من أن تبيت قائما وتسبح معجبا ، إلى آخره . وروى سفيان عن رجل من أهل صنعاء عن وهب فذكر الحديث كما تقدم . وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى حدثنا الصلت بن عاصم المرادي ، عن أبيه عن وهب قال : لما أهبط آدم من الجنة استوحش لفقد أصوات الملائكة ، فهبط عليه جبريل فقال : يا آدم ألا أعلمك شيئا تنتفع به في الدنيا والآخرة ؟ قال : بلى . قال قل : اللهم تمم لي النعمة حتى تهنيني المعيشة ، اللهم اختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي ، اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول في القيامة حتى تدخلني الجنة في عافية . وقال عبد الرزاق : حدثني بكار بن عبد الله عن وهب قال : قرأت في بعض الكتب فوجدت الله تعالى يقول : يا بن آدم ما أنصفتني ، تذكر بي وتنساني ، وتدعو إلي وتفر مني ، خيري إليك نازل ، وشرك إلي صاعد ، ولا يزال ملك كريم قد نزل إليك من أجلك ، يا بن آدم إن أحب ما تكون إلي وأقرب ما تكون مني إذا رضيت بما قسمت لك . وأبغض ما تكون إلي ، وأبعد ما تكون مني إذا سخطت بما قسمت لك . يا بن آدم أطعني فيما أمرتك ، ولا تعلمني بما يصلحك ، إني عالم بخلقي ، وأنا أعلم بحاجتك التي ترفعك من نفسك ، إني إنما أكرم من أكرمني ، وأهين من هان عليه أمري ، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي . وقال وهب : قرأت نيفا ( 1 ) وتسعين كتابا من كتب الله تعالى فوجدت في جميعها : أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر . وقال : لا يسكن ابن آدم ، إن الله هو قسم الأرزاق متفاضلة ومختلفة ، فإن تقلل ابن آدم شيئا من رزقه فليزدد إلى الله رغبة ، ولا يقولن : لو اطلع الله على هذا من حالي ، أو شعر به غيره ؟ فكيف لا يطلع على شئ الذي خلقه وقدره ؟ أو يعتبر ابن آدم في غير ذلك مما يتفاضل فيه الناس ، كأن الله فاضل بينهم في الأجسام والأموال والألوان والعقول والأحلام ، فلا يكبر على ابن آدم أن يفضل عليه في الرزق والمعيشة ، ولا يكبر عليه أن يفضل عليه في الحلم والعلم والعقل والدين ، أو لا يعلم ابن آدم أن الذي رزقه في ثلاثة أزمان من عمره لم يكن له في واحد منها كسب ولا حيلة ، أنه سوف يرزقه في الزمن الرابع . أول زمان من أزمانه حين كان في بطن أمه ، يخلق فيه ويرزق من غير مال كسبه ، وهو في قرار مكين ، لا يؤذيه فيه حر ولا برد ، ولا شئ ولا هم ولا حزن ، وليس له هناك يد تبطش ، ولا رجل تسعى ، ولا لسان ينطق . فساق الله عز وجل إليه رزقه هناك على أتم الوجوه وأهناها وأمراها ، ثم إن الله عز وجل أراد أن يحوله من تلك المنزلة إلى غيرها . ويحدث له في الزمن الثاني رزقا من أمه يكفيه ويغنيه ، من غير حول منه ولا قوة ، ولا بطش ولا سعي ، بل تفضلا من الله وجودا ، ورزقا
--> ( 1 ) في طبقات ابن سعد 5 / 543 : اثنين وتسعين .