ابن كثير
314
البداية والنهاية
أجراه وساقه إليه ، ثم أراد الله سبحانه أن ينقله من الزمن الثاني إلى الزمن الثالث من ذلك اللبن إلى رزق يحدثه له من كسب أبويه ، بأن يجعل له الرحمة في قلوبهما حتى يؤثراه على نفسهما بكسبهما ، ويغنياه ويغذياه بأطيب ما يقدران عليه من الأغذية ، وهو لا يعينهما على شئ من ذلك بكسب ولا حيلة ، حتى إذا عقل حدث نفسه بأنه إنما يرزق بحيلته ومكسبه وسعيه ، ثم يدخل عليه في الزمن الرابع إساءة الظن بربه عز وجل ، فيضيع أوامر الله في طلب المعاش وزيادة المال وكثرته ، وينظر إلى أبناء الجنس وما عليه من التنافس في طلب الدنيا ، فيكسب بذلك ضعف اليقين والايمان ، ويمتلئ قلبه فقرا وخوفا منه مع المتاع ، ويبتلي بموت القلب وعدم العقل ، ولو نظر ابن آدم نظر معرفة وعقل لعلم أنه لن يغنيه في الزمن الرابع إلا من أغناه ورزقه في الأزمان الثلاثة قبل ، فلا مقال له ولا معذرة مما سلط عليه في الزمان الرابع إلا برحمة الله ، فإن ابن آدم كثير الشك يقصر به حكمه وعلمه عن علم الله والتفكر في أمره ، ولو تفكر حتى يفهم ، وتفهم حتى يعلم ، علم أن علامة الله التي بها يعرف ، خلقه ثم رزقه لما خلق ، وقدره لما قدر . وقال عطاء الخراساني : لقيت وهبا في الطريق فقلت : حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز . فقال : أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام : يا داود ، أما وعزتي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته ، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن ، إلا جعلت له منهن فرجا ومخرجا ، أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيته ، إلا قطعت أسباب السماوات من يده ، وأسخت الأرض من تحته ولا أبالي في أي واد هلك . وقال أبو بلال الأشعري عن أبي هشام الصنعاني قال : حدثني عبد الصمد بن معقل قال : سمعت وهب بن منبه يقول : وجدت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول : كفاني للعبد مآلا ، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني ، وأستجيب له من قبل أن يدعوني ، فإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه . وقال : قرأت في بعض الكتب أن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل لأنه إذا كان مؤمنا عاقلا ذا بصيرة فهو أثقل على الشيطان من الجبال الصم ، إنه ليزالل المؤمن العاقل فلا يستطيعه ، فيتحول عنه إلى الجاهل فيستأمره ويتمكن من قياده . وقال : قام موسى عليه السلام فلما رأته بنو إسرائيل قاموا ، فقال : على مكانكم ، ثم ذهب إلى الطور فإذا هو بنهر أبيض فيه مثل رؤوس الكثبان كافور محفوف بالرياحين ، فلما رآه أعجبه فدخل عليه فاغتسل وغسل ثوبه ، ثم خرج وجفف ثوبه ، ثم رجع إلى الماء فاستنضح فيه إلى أن جف ثوبه ، فلبسه ثم أخذ نحو الكثيب الآخر الذي فوق الطور ، فإذا هو برجلين يحفران قبرا ، فقام عليهما فقال : ألا أعينكما ؟ قالا : بلى فنزل فحفر ، فقال لهما : لتحدثاني مثل من الرجل ؟ فقالا : على طولك وهيئتك ، فاضطجع فيه لينظروا فالتأمت عليه الأرض ، فلم ينظر إلى قبر موسى عليه السلام إلا الرخم ،