ابن كثير
312
البداية والنهاية
عن الطريق ولم تستقم ( 1 ) لسائقها ، وإن فتر سائقها حزنت ، ولم تتبع قائدها : فإذا اجتمعا استقامت طوعا أو كرها ، ولا تستطيع الدين إلا بالطوع والكره ، وإن كان كلما كره الانسان شيئا من دينه تركه ، أوشك أن لا يبقى معه من دينه شئ . وقال وهب : إن من حكمة الله عز وجل أنه خلق الخلق مختلفا خلقه ومقاديره ، فمنه خلق يدوم ما دامت الدنيا ، لا تنقصه الأيام ولا تهرمه وتبليه ويموت ، ومنه خلق لا يطعم ولا يرزق ، ومنه خلق يطعم ويرزق ، خلقه الله وخلق معه رزقه ، ثم خلق الله من ذلك خلقا في البر وخلقا في البحر ، ثم جعل رزق ما خلق في البحر وفي البر ، ولا ينفع رزق دواب البر دواب البحر ، ولا رزق دواب البحر دأب البر ، لو خرج ما في البحر إلا البر هلك ، ولو دخل ما في البر إلى البحر هلك ، ففي ذلك ممن خلق الله في البر والبحر عبرة لمن أهمته قسمة الأرزاق والمعيشة فليعتبر ابن آدم فيما قسم الله من الأرزاق ، فإنه لا يكون فيها شئ إلا كما قسمه سبحانه بين خلقه ، لا يستطيع أحد أن يغيرها ولا أن يخلطها ، كما لا تستطيع دواب البر أن تعيش بأرزاق دواب البحر ، ولا دواب البحر بأرزاق دواب البر ، ولو اضطرت إليه هلكت كلها ، فإذا استقرت كل دابة منها فيما رزقت أصلحها ذلك وأحياها ، وكذلك ابن آدم إذا استقر وقنع بما قسم الله له من رزقه أحياه ذلك وأصلحه ، فإذا تعاطى رزق غيره نقصه ذلك وضره وفضحه . وقال لعطاء الخراساني : كان العلماء قبلكم قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم ، فكانوا لا يلتفتون إلى أهل الدنيا ، ولا إلى ما في أيديهم ، فكان أهل الدنيا يبذلون إليهم دنياهم رغبة في علمهم ، فأصبح أهل العلم فينا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في الدنيا ، فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم ، فإياك يا عطاء وأبواب السلطان فإن عند أبوابهم فتنا كمبارك الإبل ، لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك مثله . وقال إبراهيم الجنيد : حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الصنعاني قال : سمعت وهب بن منبه يقول : لقي عالم عالما هو فوقه في العلم ، فقال : كيف صلاتك ؟ فقال : ما أحسب أحدا سمع بذكر الجنة والنار يأتي عليه ساعة لا يصلي فيها ، قال : فكيف ذكرك للموت ؟ قال : ما أرفع قدما ولا أضع أخرى إلا رأيت أني ميت . فقال : فكيف صلاتك أنت أيها الرجل ؟ فقال : إني لأصلي وأبكي حتى ينبت العشب من دموعي ، فقال العالم : أما أنك إن تضحك وأنت معترف بخطيئتك خير لك من أن تبكي وأنت مدل بعلمك ، فإن المدل لا يرفع له عمل فقال : أوصني فإني أراك حكيما ، فقال أزهد في الدنيا ولا تنازع أهلها فيها ، وكن فيها كالنخلة ، إن أكلت أكلت طيبا ، وإن وضعت وضعت طيبا ، وإن وقعت على عدو لم تكسره ، وانصح لله نصح الكلب لأهله ، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويضربونه وهو يأبى إلا أن يحوطهم ويحفظهم ، وينصح لهم . فكان وهب إذا ذكر هذا الحديث قال : وا سوأتاه إذا كان الكلب أنصح
--> ( 1 ) كذا بالأصل وفيه تحريف ونقص ظاهر .