ابن كثير

311

البداية والنهاية

يكون البطال من الحكماء أبدا ، ولا يرث الزناة من ملكوت السماء . وقال وهب في موعظته : اليوم يعظ السعيد ، ويستكثر من منافعه اللبيب ، يا بن آدم إنما جمعت من منافع هذا اليوم لدفع ضرر الجهالة عنك ، وإنما أوقدت فيه مصابيح الهدى لتنبه لحزبك ، فلم أر كاليوم ضل مع نوره متحير داع لمداواة سليم ، يا بن آدم ! إنه لا أقوى من خالق ، ولا أضعف من مخلوق ، ولا أقدر ممن طلبته في يده ، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه ، يا بن آدم إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك ، وأقام عندك ( 1 ) ما سيذهب ، فما الجزع مما لا بد منه ؟ وما الطمع فيما لا يرتجى ؟ وما الحيلة في بقاء ما سيذهب ؟ يا بن آدم أقصر عن طلب ما لا تدرك ، وعن تناول ما لا تناله ، وعن ابتغاء ما لا يوجد . واقطع الرجاء عنك كما قعدت به ( 2 ) عنك الأشياء ، واعلم أنه رب مطلوب هو شر لطالبه ، يا بن آدم إنما الصبر عند المصيبة ، وأعظم من المصيبة سوء الخلق منها ، يا بن آدم أي أيام الدهر ترتجى ؟ يوم يجئ في عتم ( 3 ) أو يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه ؟ فانظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام : يوم مضى لا ترجوه ، ويوم لا بد منه ، ويوم يجئ لا تأمنه ، فأمس شاهد عليك مقبول ، وأمين مؤد ، وحكيم مؤدب ، قد فجعك بنفسه ، وخلف فيك حكمته . واليوم صديق مودع ، كان طويل الغيبة عنك ، وهو سريع الظعن إياك ( 4 ) ولم يأته ، وقد مضى قبله شاهد عدل ، فإن كان ما فيه لك فاشفعه بمثله أوثق لك باجتماع شهادتهما عليك . يا بن آدم إنما أهل الدنيا سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها ، وإنما يتبلغون بالعواري فما أحسنه - يعني الشكر - للمنعم والتسليم للمعاد ، يا بن آدم إنما الشئ من مثله وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله ؟ ! إنما يقر الفرع بعد الأصل ، يا بن آدم إنه لا أعظم رزية في عقله ممن ضيع اليقين وأخطأ العمل . أيها الناس ! إنما البقاء بعد الفناء ، وقد خلقنا ولم نكن ، وسنبلى ثم نعود ، ألا وإنما العواري اليوم والهنات غدا ، ألا وإنه قد تقارب منا سلب فاحش ، أو عطاء جزيل ، فأصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه . أيها الناس ! ! إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا ، وإن ما أنتم فيه من دنياكم نهب للمصائب ، لا تنالون فيها نعمة إلا بفراق الأخرى ، ولا يستقبل منكم معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله ، ولا يتخذ له زيادة في ماله إلا بنفاد ما قبله من رزقه ، ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر . نسأل الله أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة . وقال قتيبة بن سعيد : حدثنا كثير بن هشام ، حدثنا جعفر بن مروان ، عن وهب بن منبه .

--> ( 1 ) في صفة الصفوة 2 / 291 : معك . ( 2 ) في صفة الصفوة : عما فقدت من الأشياء . ( 3 ) في صفة الصفوة : أيوما يجئ في غرة . ( 4 ) أتاك ولم تأته ( صفة الصفوة 2 / 292 ) .