ابن كثير
307
البداية والنهاية
نفس الذباب ، وتتغذون الغداء من شرابكم ، وتبتلعون أمثال الجبال من الحرام ، وتثقلون الدين على الناس أمثال الجبال ، ثم لا تعينوهم برفع الخناصر ، وتبتلعون الصلاة وتبيضون الثياب ، تنتقصون بذلك مال اليتيم والأرملة ، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأي ذي الرأي وحكمة الحكيم . وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن محمد الصنعاني ، حدثنا همام بن مسلمة ، حدثنا غوث بن جابر ، حدثنا عقيل بن معقل قال : سمعت وهب بن منبه يقول : إن الله ليس يحمد أحدا على طاعة ، ولا ينال أحد من الله خيرا إلا برحمته ، وليس يرجو الله خير الناس ولا يخاف شرهم ، ولا يعطف الله على الناس إلا برحمته إياهم ، إن مكروا به أباد مكرهم ، وإن خادعوه رد عليهم خداعهم ، وإن كاذبوه كذب بهم ، وإن أدبروا قطع دابرهم ، وإن أقبلوا قبل منهم ولا يقبل منهم شيئا من حيلة ، ولا مكر ولا خداع ولا سخط ولا مشادة ، وإنما يأتي بالخير من الله تعالى رحمته ، ومن لم يبتغ الخير من قبل رحمته لا يجد بابا غير ذلك يدخل منه ، فإن الله تعالى لا ينال الخير منه إلا بطاعته ، ولا يعطف الله على الناس شئ إلا تعبدهم له ، وتضرعهم إليه حتى يرحمهم ، فإذا رحمهم استخرجت رحمته منه حاجتهم ، وليس ينال الخير من الله من وجه غير ذلك ، وليس إلى رحمة الله سبيل تؤتى من قبله إلا تعبد العباد له وتضرعهم إليه ، فإن رحمة الله عز وجل باب كل خير يبتغى من قبله ، وإن مفتاح ذلك الباب التضرع إلى الله عز وجل والتعبد له ، فمن ترك المفتاح لم يفتح له ، ومن جاء بالمفتاح فتح له به ، وكيف يفتح الباب بغير مفتاح ، ولله خزائن الخير كله ، وباب خزائن الله رحمته ، ومفتاح رحمة الله التذلل والتضرع والافتقار إلى الله ، فمن حفظ ذلك المفتاح فتحت له الخزائن ودخل ، فله فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وفيها ما تشاؤون وما تدعون في مقام أمين ، لا يحولون عنه ولا يخافون ولا ينصبون ولا يهرمون ولا يفتقرون ولا يموتون ، في نعيم مقيم ، وأجر عظيم ، وثواب كريم ، نزلا من غفور رحيم . وقال سفيان بن عيينة : قال وهب : أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا ، وأسرعها ردا اتباع الهوى وحب المال والشرف ، ومن حب المال والشرف تنتهك المحارم ، ومن انتهاك المحارم بغضب الرب ، وغضب الله ليس له دواء . وقال : يقول الله تعالى في بعض كتبه يعتب به بني إسرائيل : إني إذا أطمعت رضيت ، وإذا رضيت باركت ، وليس لبركتي نهاية ، وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ، وإن اللعنة متى تبلغ السابع من الولد . وقال : كان في بني إسرائيل رجل عصى الله عز وجل مائتي سنة ، ثم مات فأخذوا برجله فألقوه على مزبلة ، فأوحى الله إلى موسى : ان صل عليه ، فقال : يا رب إن بني إسرائيل شهدوا أنه قد عصاك مائتي سنة ، قال الله له : نعم هكذا كان ، إلا أنه كان كلما نشر التوراة ورأى اسم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قبله ووضعه على عيينة وصلى عليه فشكرت ذلك له فغفرت له ذنوبه وزوجته سبعين حوراء . كذا روي وفيه علل ، ولا يصح مثله