ابن كثير
306
البداية والنهاية
الأتقياء وأعزبها عن سبل الخبثاء ، وما كان لك من فضل فأعن به من دونك ، وما كان فيمن دونك من نقص فأعنه عليه حتى يبلغه ، فإن الحكيم من جمع فواضله وعاد بها على من دونه ، وينظر في نقائص من دونه فيقويها ويرجيها حتى يبلغه ، إن كان فقيها حمل من لا فقه له إذا رأى أنه يريد صحابته ومعونته وإذا كان له مال أعطى منه من لا مال له ، وإذا كان مصلحا استغفر للمذنب ورجا توبته ، وإذا كان محسنا أحسن إلى من أساء إليه واستوجب بذلك أجره ، ولا يعتر بالقول حتى يحسن منه الفعل ، فإذا أحسن الفعل نظر إلى فضل الله وإحسانه إليه ، ولا يتمنى الفعل حتى يفعله ، فإذا بلغ من طاعة الله مبلغا حمد الله على ما بلغ منها ثم طلب ما لم يبلغ منها ، وإذا ذكر خطيئة سترها عن الناس واستغفر الله الذي هو قادر على أن يغفرها ، وإذا علم من الحكمة شيئا لم يشبعه بل يطلب ما لم يبلغ منها ، ثم لا يستعين بشئ من الكذب ، فإن الكذب كالأكلة في الجسد تكاد تأكله ، أو كالأكلة في الخشب ، يرى ظهرها حسنا وجوفها نخر تغر من يراها حتى تنكسر على ما فيها وتهلك من اغتر بها . وكذلك الكذب في الحديث لا يزال صاحبه يغتر به ، يظن أنه معينه على حاجته ورائد له في رغبته ، حتى يعرف ذلك منه ، ويتبين لذوي العقول غروره ، فتستنبط الفقهاء ما كان يستخفي به عنه ، فإذا اطلعوا على ذلك من أمره وتبين لهم ، كذبوا خبره ، وأباروا شهادته ، واتهموا صدقه ، وحقروا شأنه ، وأبغضوا مجلسه ، واستخفوا منه بسرائرهم ، وكتموه حديثهم ، وصرفوا عنه أماناتهم ، وغيبوا عنه أمرهم ، وحذروه على دينهم ومعيشتهم ، ولم يحضروه شيئا من محاضرتهم ، ولم يأمنوه على شئ من سرهم ، ولم يحكموه فيما شجر بينهم . وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب قال : قال لقمان لابنه : إن مثل أهل الذكر والغفلة كمثل النور والظلمة . وقال : قرأت في التوراة أربعة أسطر متواليات : من قرأ كتاب الله فظن أنه لا يغفر له فهو من المستهزئين بآيات الله ، ومن شكا مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه عز وجل ، ومن أسف على ما فاته من الدنيا سخط قضاء ربه عز وجل ، ومن تضعضع لغني ذهب ثلث دينه . وقال وهب : قرأت في التوراة : أيما دار بنيت بقوة الضعفاء جعلت عاقبتها إلى الخراب ، وأيما مال جمع من غير حله أسرع الفقر إلى أهله . وقال عبد الله بن المبارك : حدثنا معمر ، عن محمد بن عمرو قال : سمعت وهب بن منبه يقول : وجدت في بعض الكتب : يقول الله تعالى : إذا أطاعني عبدي استجبت له من قبل أن يدعوني ، وأعطيته من قبل أن يسألني ، وإن عبدي إذا أطاعني لو أن أهل السماوات وأهل الأرض أجلبوا عليه جعلت له المخرج من ذلك ، وإن عبدي إذا عصاني قطعت يديه من أبواب السماء ، وجعلته في الهواء فلا يمتنع من شئ أراده من خلقي . وقال ابن المبارك أيضا : حدثنا بكار بن عبد الله قال : سمعت وهب بن منبه يقول : قال الله تعالى فيما يعيب به أحبار بني إسرائيل : تفقهون لغير الدين ، وتتعلمون لغير العمل ، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة ، وتلبسون جلود الضأن ، وتحملون