ابن كثير

305

البداية والنهاية

وهيب بن منبه اليماني تابعي جليل ، وله معرفة بكتب الأوائل ، وهو يشبه كعب الأحبار ، وله صلاح وعبادة ، ويروى عنه أقوال حسنة وحكم ومواعظ ، وقد بسطنا ترجمته في كتابنا التكميل ولله الحمد . قال الواقدي : توفي بصنعاء سنة عشر ومائة ، وقال غيره : بعدها بسنة ، وقيل بأكثر ، والله أعلم . ويزعم بعض الناس أن قبره غربي بصرى بقرية يقال لها عصم ( 1 ) ، ولم أجد لذلك أصلا ، والله أعلم انتهى ما ذكره المؤلف . فصل أدرك وهب بن منبه عدة من الصحابة ، وأسند عن ابن عباس وجابر والنعمان بن بشير . وروى عن معاذ بن جبل وأبي هريرة ، وعن طاوس . وعنه من التابعين عدة ( 2 ) . وقال وهب : مثل من تعلم علما لا يعمل به كمثل طبيب معه شفاء لا يتداوى به . وعن منير مولى الفضل بن أبي عياش قال : كنت جالسا مع وهب بن منبه فأتاه رجل فقال له : إني مررت بفلان وهو يشتمك ، فغضب وقال : ما وجد الشيطان رسولا غيرك ؟ فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الشاتم فسلم على وهب فرد عليه السلام ، ومد يده إليه وصافحه وأجلسه إلى جنبه . وقال ابن طاوس : سمعت وهبا يقول : ابن آدم احتل لدينك فإن رزقك سيأتيك . وقال وهب : كسي أهل النار والعرى كان خيرا لهم ، وطعموا والجوع كان خيرا لهم ، وأعطوا الحياة والموت كان خيرا لهم . وقال داود عليه السلام : اللهم أيما فقير سأل غنيا فتصام عنه ، فأسألك إذا دعاك فلا تجبه ، وإذا سألك فلا تعطه . وقال : قرأت في بعض كتب الله : ابن آدم ، لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم ، ولم تعمل بما قد علمت ، فإن مثلك كمثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة فذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى . وقال : إن لله ثمانية عشر ألف عالم ، الدنيا منها عالم واحد ، وما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء . وروى الطبراني عنه أنه قال : إذا أردت أن تعمل بطاعة الله عز وجل فاجتهد في نصحك وعملك لله ، فإن العمل لا يقبل ممن ليس بناصح ، والنصح لله لا يكمل إلا بطاعة الله ، كمثل الثمرة الطيبة ريحها وطعمها ، كذلك مثل طاعة الله ، النصح ريحها ، والعمل طعمها ، ثم زين طاعتك بالحلم والعقل ، والفقه والعمل ، ثم أكبر نفسك عن أخلاق السفهاء وعبيد الدنيا ، وعبدها على أخلاق الأنبياء والعلماء العاملين ، وعودها فعل الحكماء ، وامنعها عمل الأشقياء ، وألزمها سيرة

--> ( 1 ) في طبقات ابن سعد 5 / 543 : مات بصنعاء . وانظر صفة الصفوة 2 / 296 . وابن خلكان 6 / 36 . ( 2 ) منهم : عمرو بن دينار وأبان بن أبي عياش وموسى بن عقبة ووهب ابن أخيه عبد الصمد وإسرائيل أبو موسى والسماك بن فضل وعوف الأعرابي . ( تذكرة الحفاظ 1 / 101 . صفة الصفوة 2 / 296 ) .