ابن كثير

297

البداية والنهاية

القلوب ، والمؤلف غالبا في التراجم يحيل على ما ذكره في التكميل الذي صنفه في أسماء الرجال ، وهذا الكتاب لم نقف عليه نحن ولا من سألناه عنه من العلماء ، فإنا قد سألنا عنه جماعة من أهل الفن فلم يذكر غير واحد أنه اطلع عليه . فكيف حل غيرهم ؟ وقد ذكرت في غالب التراجم زيادات على ما ذكره المؤلف مما وصلت إليه معرفتي واطلعنا عليه ، ولو كان عندي كتب لأشبعت القول في ذلك ، إذ الحكمة هي ضالة المؤمن . ولعل أن يقف على هذا راغب في الآخرة ، طالب ما عند الله عز وجل فينتفع به أعظم مما ينتفع به من تراجم الخلف والملوك والامراء ، وإن كانت تلك أيضا نافعة لمعتير ومزدجر ، فإن ذكر أئمة العدل والجور بعد موتهم فيها فضل أولئك ، وغم هؤلاء ، ليعلم الظالم أنه وإن مات لم يمت ما كان متلبسا به من الفساد والظلم ، بل هو مدون في الكتب عند العلماء . وكذلك أهل العدل والصلاح والخير ، فإن الله قد قص في القرآن أخبار الملوك والفراعنة والكفار والمفسدين ، تحذيرا من أحوالهم وما كانوا يعملون ، وقص أيضا أخبار الأتقياء والمحسنين والأبرار والأخيار والمؤمنين ، للاقتداء والتأسي بهم والله سبحانه أعلم . فنقول وبالله التوفيق : أما الحسن فهو أبو سعيد البصري الإمام الفقيه المشهور ، أحد التابعين الكبار الاجلاء علما وعملا وإخلاصا فروى ابن أبي الدنيا عنه قال : كان الرجل يتعبد عشرين سنة لا يشعر به جاره ، وأحدهم يصلي ليلة أو بعض ليلة فيصبح وقد استطال على جاره ، وإن كان القوم ليجتمعون فيتذاكرون فتجئ الرجل عبرته فيردها ما استطاع ، فإن غلب قام عنهم . وقال الحسن : تنفس رجل عند عمر بن عبد العزيز فلكزه عمر - أو قال : لكمه - وقال : إن في هذا لفتنة . وقد ذكره ابن أبي الدنيا عن الحسن عن عمر بن الخطاب . وروى الطبراني عنه أنه قال : إن قوما ألهتهم أماني المغفرة ورجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة ، يقول أحدهم : إني لحسن الظن بالله ، وأرجو رحمة الله ، وكذب ، لو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله ، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة يوشك من دخل المفازة من غير زاد ولا ماء أن يهلك . وروى ابن أبي الدنيا عنه قال : حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور ، واقذعوا هذه الأنفس فإنها تنزع إلى شر غاية . وقال مالك بن دينار : قلت للحسن : ما عقوبة العالم إذا أحب الدنيا ؟ قال : موت القلب ، فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة ، فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم ويبقى عليه رسمه . وروى الفتني عن أبيه قال : عاد الحسن عليلا فوجده قد شفي من علته ، فقال : أيها الرجل إن الله قد ذكرك فاذكره ، وقد أقالك فاشكره ، ثم قال الحسن : إنما المرض ضربة سوط من ملك كريم ، فأما أن يكون العليل بعد المرض فرسا جوادا ، وإما أن يكون عثورا معقورا . وروى العتبي عن أبيه أيضا قال : كتب الحسن إلى فرقد : أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله ، والعمل بما علمك الله ، والاستعداد لما وعد الله ، مما لا