ابن كثير

298

البداية والنهاية

حيلة لاحد في دفعه ، ولا ينفع الندم عند نزوله ، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين ، وانتبه من رقدة الجاهلين ، وشمر الساق ، فإن الدنيا ميدان مسابقة ، والغاية الجنة أو النار ، فإن لي ولك من الله مقاما يسألني وإياك فيه عن الحقير والدقيق ، والجليل والخافي ، ولا آمن أن يكون فيما يسألني وإياك عنه وساوس الصدور ، ولحظ العيون ، وإصغاء الاسماع . وما أعجز عنه . وروى ابن قتيبة عنه أنه مر على باب ابن هبيرة فرأى القراء - وكانوا هم الفقهاء - جلوسا على باب ابن هبيرة فقال : طفحتم نعالكم ، وبيضتم ثيابكم . ثم أتيتم إلى أبوابهم تسعون ؟ ثم قال لأصحابه : ما ظنكم بهؤلاء الحذاء ؟ ليست مجالسهم من مجالس الأتقياء ، وإنما مجالسهم مجالس الشرط . وروى الخرائطي عن الحسن أنه كان إذا اشترى شيئا وكان في ثمنه كسر جبره لصاحبه . ومر الحسن بقوم يقولون : نقص دانق أي عن الدرهم الكامل والدينار الكامل - إما أن يكون درهما ينقص نصفا أو ربعا ، والعشرة تسعة ونصف ، وقس على هذا ، فكان الحسن يستحب جبران هذه الأشياء ، وإن كان اشترى السلعة بدرهم ينقص دانقا كمله درهما ، أو بتسعة ونصف كملها عشرة ، مروءة وكرما . وقال عبد الأعلى السمسار ، قال الحسن : يا عبد الأعلى ! أما يبيع أحدكم الثوب لأخيه فينقص درهمين أو ثلاثة ؟ قلت لا والله ولا دانق واحد ، فقال الحسن : إن هذه الأخلاق فما بقي من المروءة إذا ؟ . قال : وكان الحسن يقول : لا دين إلا بمروءة . وباع بغلة له فقال له المشتري . أما تحط لي شيئا يا أبا سعيد ؟ قال لك خمسون درهما ، أزيدك ؟ قال : لا ! رضيت ، قال : بارك الله لك . وروى ابن أبي الدنيا عن حمزة الأعمى قال : ذهبت بي أمي إلى الحسن فقالت : يا أبا سعيد : ابني هذا قد أحببت أن يلزمك فلعل الله أن ينفعه بك ، قال : فكنت أختلف إليه ، فقال لي يوما : يا بني أدم الحزن على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه ، وابك في ساعات الليل والنهار في الخلوة لعل مولاك أن يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين ، قال : وكنت أدخل على الحسن منزلة وهو يبكي ، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه ، فقلت له يوما : إنك تكثر البكاء فقال يا بني ! ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك ؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة ، فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل لعله تعالى أن يرحمك ، فإذا أنت نجوت من النار ، وقال : ما هو إلا حلول الدار إما الجنة وإما النار ، ما هناك منزل ثالث . وقال : بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر من دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار . وقال : لو أن باكيا بكى في ملا من خشية الله لرحموا جميعا ، وليس شئ من الأعمال إلا له وزن إلا البكاء من خشية الله فإنه لا يقوم الله بالدمعة منه شيئا . وقال : ما بكى عبد إلا شهد عليه قلبه بالصدق أو الكذب . وروى ابن أبي الدنيا عنه في كتاب اليقين قال : من علامات المسلم قوة دين ، وحزم في لين ، وإيمان في يقين ، وحكم في علم ، وحبس في رفق ، وإعطاء في حق ، وقصد في غنى ، وتحمل في فاقة