ابن كثير

296

البداية والنهاية

يعي الحكمة حتى نطق بها ، وكان أبو جعفر إذا ذكره يقول : ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء . وقال محمد بن سعد : قالوا كان الحسن جامعا للعلم والعمل ، عالما رفيعا فقيها مأمونا عابدا زاهدا ناسكا كثير العلم والعمل فصيحا جميلا وسيما ، وقدم مكة فأجلس على سرير ، وجلس العلماء حوله ، واجتمع الناس إليه فحدثهم . قال أهل التاريخ : مات الحسن عن ثمان وثمانين سنة ، عام عشر ومائة في رجب منها ، بينه وبين محمد بن سيرين مائة يوم . وأما ابن سيرين فهو محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري مولى أنس بن مالك النضري ، كان أبو محمد من سبي عين التمر ( 1 ) ، أسره خالد بن الوليد في جملة السبي ، فاشتراه أنس ثم كاتبه ، ثم ولد له من الأولاد الأخيار جماعة ، محمد هذا ، وأنس بن سيرين ، ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة ، وكلهم تابعيون ثقات أجلاء رحمهم الله . قال البخاري : ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ، وقال هشام بن حسان : هو أصدق من أدركت من البشر ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة مأمونا عالما رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا . وكان به صمم ، وقال مؤرق العجلي : ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ، وأورع في فقهه منه ، قال ابن عون : كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة ، وأشد الناس إزارا على نفسه ، وأشدهم خوفا عليها . قال ابن عون : ما بكى في الدنيا مثل ثلاثة ، محمد بن سيرين في العراق ، والقاسم بن محمد في الحجاز ، ورجاء بن حياة بالشام . وكانوا يأتون بالحديث على حروفه ، وكان الشعبي يقول : عليكم بذاك الأصم - يعني محمد بن سيرين - وقال ابن شوذب : ما رأيت أحدا أجرأ على تعبير الرؤيا منه . وقال عثمان البتي : لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه . قالوا : ومات في تاسع شوال من هذه السنة بعد الحسن بمائة يوم . فصل كان اللائق ، بالمؤلف أن يذكر تراجم هؤلاء العلماء الأخيار قبل تراجم الشعراء المتقدم ذكرهم فيبدأ بهم ثم يأتي بتراجم الشعراء ، وأيضا فإنه أطال القول في تراجم الشعراء واختصر تراجم العلماء ، ولو كان فيها حسن وحكم جمة ينتفع بها من وقف عليها ، ولعلها أفيد من مدحهم والثناء عليهم ، ولا سيما كلام الحسن وابن سيرين ووهب بن منبه - كما ذكره بعد وكما سيأتي ذكر ترجمته في هذه الزيادة - فإنه قد اختصرها جدا وإن المؤلف أقدر وأوسع علما ، فما ينبغي أن يخل ببعض كلامهم وحكمهم ، فإن النفوس مستشرفة إلى معرفة ذلك والنظر فيه ، فإن أقوال السلف لها موقع من

--> ( 1 ) في صفة الصفوة 3 / 241 وتذكره الحفاظ 1 / 77 : من أهل جرجرايا . ( وهي بلد من أعمال النهروان بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي وقد خرج منها جماعة من العلماء والشعراء ) . وقد جاء يعمل في عين التمر فسباه خالد بن الوليد .