ابن كثير

295

البداية والنهاية

إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم * يذوبون من حر الصديد ( 1 ) تمزقا قال : فبكى الحسن حتى بل الثرى ثم التزم الفرزدق ، وقال : لقد كنت من أبغض الناس إلي ، وإنك اليوم من أحب الناس إلي . وقال له بعض الناس : ألا تخاف من الله في قذف المحصنات ، فقال : والله لله أحب إلي من عيني اللتين أبصر بهما ، فكيف يعذبني ؟ وقد قدمنا أنه مات سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوما ( 8 ) ، وقيل بأشهر فالله أعلم . وأما الحسن وابن سيرين فقد ذكرنا ترجمة كل منهما في كتابنا التكميل مبسوطة وحسبنا الله ونعم الوكيل . فأما الحسن بن أبي الحسن فاسم أبيه يسار وأبرد هو أبو سعيد البصري مولى زيد بن ثابت ، ويقال مولى جابر بن عبد الله وقيل غير ذلك ، وأمه خيرة مولاة لام سلمة كانت تخدمها ، وربما أرسلتها في الحاجة فتشتغل عن ولدها الحسن وهو رضيع ، فتشاغله أم سلمة بثدييها فيدران عليه فيرتضع منهما ، فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من الثدي المنسوب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم كان وهو صغير تخرجه أمه إلى الصحابة فيدعون له ، وكان في جملة من يدعو له عمر بن الخطاب ، قال : اللهم فقهه في الدين ، وحببه إلى الناس . وسئل مرة أنس بن مالك عن مسألة فقال : سلوا عنها مولانا الحسن ، فإنه سمع وسمعنا ، فحفظ ونسينا ، وقال أنس مرة : إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين - الحسن وابن سيرين - وقال قتادة : ما جالست رجلا فقيها إلا رأيت فضل الحسن عليه ، وقال أيضا : ما رأت عيناي أفقه من الحسن ، وقال أيوب : كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن مسألة هيبة له ، وقال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة : إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة وأهيبهم فهو الحسن ، فأقرأه مني السلام . وقال يونس بن عبيد : كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه ، وقال الأعمش : ما زال الحسن

--> ( 1 ) في الكامل : الحميم بدل الصديد في الموضعين . ( 2 ) قال البلاذري : أسن الفرزدق حتى قارب المئة ومات بالدبيلة ( مرض يصيب الجوف ) . وعن ابن عائشة ان الفرزدق مات قبل جرير بستة أشهر . وقال جرير لما بلغه موته : قلما تصاول فحلان فمات أحدهما إلا أسرع لحاق الآخر به . وقال : فمات الفرزدق بعد ما جرعته * ليت الفرزدق كان عاش قليلا فقيل له أتهجوه وقد مات ، فقال يرثيه : فلا وضعت بعد الفرزدق حامل * ولا ذات بعل من نفاس تعلت هو الوافد الميمون والراتق الثأى * إذا النعل يوما بالعشيرة زلت