ابن كثير
284
البداية والنهاية
عبد العزيز بن مروان فلا أرغب ، وإنما ينشأ الشعر عن هذه الخلال . وكانت وفاته وفاة عكرمة في يوم واحد ، ولكن في سنة خمس ومائة على المشهور . وإنما ذكره شيخنا الذهبي في هذه السنة - أعني سنة سبع ومائة - والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ثمان ومائة ففيها افتتح مسلمة بن عبد الملك قيسارية من بلاد الروم ، وفتح إبراهيم بن عبد الملك حصنا من حصون الروم أيضا ، وفيها غزا أسيد بن عبد الله القسري أمير خراسان فكسر الأتراك كسرة فاضحة . وفيها زحف خاقان إلى أذربيجان وحاصر مدينة ورثان ( 1 ) ورماها بالمناجيق ، فسار إليه أمير تلك الناحية الحارث بن عمرو نائب مسلمة بن عبد الملك ، فالتقى مع خاقان ملك الترك فهزمه وقتل من جيشه خلق كثير ، وهرب الخاقان بعد أن كان قتل في جملة من قتل من جيشه ، وقتل الحارث بن عمرو شهيدا ، وذلك بعد أن قتلوا من الأتراك خلقا كثيرا . وفيها غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم ، وبعث البطال على جيش كثيف فافتتح جنجرة وغنم منها شيئا كثيرا . وفيها توفي من الأعيان بكر بن عبد الله المزني البصري . كان عالما عابدا زاهدا متواضعا قليل الكلام ، وله روايات كثيرة عن خلق من الصحابة والتابعين . قال بكر بن عبد الله : إذا رأيت من هو أكبر منك من المسلمين فقل : سبقته إلى المعاصي فهو خير مني ، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل : هذا من فضل ربي ، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل : هذا بذنب أحدثته . وقال : من مثلك يا بن آدم ؟ خلي بينك وبين الماء والمحراب متى شئت تطهرت ودخلت على ربك عز وجل ليس بينك وبينه ترجمان ولا حاجب . وقال : لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقي الطمع تقي الغضب . وقل : إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به . وقال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا بلغ المبلغ الصالح من العمل فمشى في الناس تظلله غمامة ، قال : فمر رجل قد أظلته غمامة على رجل فأعظمه لما رآه مما آتاه الله ، فاحتقره صاحب الغمامة فأمرها الله أن تتحول عن رأسه إلى رأس الذي احتقره ، وهو الذي عظم أمر الله عز وجل . وقال : ما سبقهم أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام ، ولكن بشئ قر في صدره . وله كلام حسن كثير يطول ذكره . راشد بن سعد المقراني الحمصي عمر دهرا ، وروى عن جماعة من الصحابة ، وقد كان عابدا صالحا زاهدا . رحمه الله تعالى ، وله ترجمة طويلة . محمد بن كعب القرظي توفي فيها في قول وهو أبو حمزة ، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة ، وكان عالما بتفسير القرآن ، صالحا عابدا ، قال الأصمعي : حدثنا أبو المقدام - هشام بن زياد - عن محمد بن كعب
--> ( 1 ) ورثان : بلد هو آخر حدود أذربيجان بينه وبين وادي الرس فرسخان . وقال ابن الكلبي : ورثان هي آذربيجان . ( معجم البلدان . ج 5 ) .