ابن كثير
283
البداية والنهاية
قال فاستحيت وقالت : أما هذا فلا أحفظه ولكن سمعتهم يحكونه عنه ، ولكن أحفظ له قوله : كأني أنادي صخرة حين أعرضت * من الظلم لو تمشي بها العصم زلت صفوح فما تلقاك إلا بخيلة * ومن مل منها ذلك الوصل ملت قال فقضى لها حاجتها وردها ورد عليها ظلامتها وقال : أدخلوها الحرم ليتعلموا من أدبها . وروى عن بعض نساء العرب قالت : اجتازت بنا عزة فاجتمع نساء الحاضر إليها لينظرن حسنها ، فإذا هي حميراء حلوة لطيفة ، فلم تقع من النساء بذاك الموقع حتى تكلمت فإذا هي أبرع النساء وأحلاهن حديثا ، فما بقي في أعيننا امرأة تفوقها حسنا وجمالا وحلاوة . وذكر الأصمعي : عن سفيان بن عيينة قال : دخلت عزة على سكينة بنت الحسين فقالت لها : إني أسألك عن شئ فأصدقيني ، ما الذي أراد كثير في قوله لك : قضى كل ذي دين فوفى غريمه * وعزة ممطول معنى غريمها فقالت : كنت وعدته قبلة فمطلته بها ، فقالت : أنجزيها له وإثمها علي ، وقد كانت سكينة بنت الحسين من أحسن النساء حتى كان يضرب بحسنها المثل . وروى أن عبد الملك بن مروان أراد أن يزوج كثيرا من عزة فأبت عليه وقالت : يا أمير المؤمنين أبعد ما فضحني بين الناس وشهرني في العرب ؟ وامتنعت من ذلك كل الامتناع ، ذكره ابن عساكر . وروى أنها اجتازت مرة بكثير وهو لا يعرفها فتنكرت عليه وأرادت أن تختبر ما عنده ، فتعرض لها فقالت : فأين حبك عزة ؟ فقال : أنا لك الفداء لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك ، فقالت ، ويحك لا تفعل ألست القائل : إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا * أبينا وقلنا الحاجبية أول ؟ فقال : بأبي أنت وأمي ، أقصري عن ذكرها واسمعي ما أقول : هل وصل عزة إلا وصل غانية * في وصل غانية من وصلها بدل قالت : فهل لك في المجالسة ؟ قال : ومن لي بذلك ؟ قال : فكيف بما قلت في عزة ؟ قال : أقلبه فيتحول لك ، قال فسفرت عن وجهها وقالت : أغدرا وتناكثا يا فاسق ، وإنك لها هنا يا عدو الله ، فبهت وأبلس ولم ينطق وتحير وخجل ، ثم قالت : قاتل الله جميلا حيث يقول : - محا الله من لا ينفع الود عنده * ومن حبله إن صد غير متين ومن هو ذو وجهين ليس بدائم * على العهد حلافا بكل يمين ثم شرع كثير يعتذر ويتنصل مما وقع منه ويقول في ذلك الاشعار ذاكرا وآثرا . وقد ماتت عزة بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان ، وزار كثير قبرها ورثاها وتغير شعره بعدها ، فقال له قائل : ما بال شعرك تغير وقد قصرت فيه ؟ فقال : ماتت عزة ولا أطرب ، وذهب الشباب فلا أعجب ، ومات