ابن كثير

272

البداية والنهاية

سليمان بن يسار أحد التابعين وهو أخو عطاء بن يسار ، له روايات كثيرة ، وكان من المجتهدين في العبادة ، وكان من أحسن الناس وجها ، توفي بالمدينة وعمره ثلاث وسبعون سنة ، دخلت عليه امرأة من أحسن الناس وجها فأرادته على نفسها فأبى وتركها في منزله وخرج هاربا منها ، فرأى يوسف عليه السلام في المنام . فقال له : أنت يوسف ؟ فقال : نعم أنا يوسف الذي هممت ، وأنت سليمان الذي لم تهم . وقيل إن هذه الحكاية إنما وقعت في بعض منازل الحجاج ، وكان معه صاحب له ، فبعثه إلى سوق الحجاج ليشتري شيئا فانحطت على سليمان امرأة من الجبل حسناء فقالت له : هيت لك ، فبكى واشتد بكاؤه فلما رأت ذلك منه ارتفعت في الجبل ، وجاء صديقه فوجده يبكي فقال له : مالك تبكي ؟ فقال خير ، فقال : لعلك ذكرت بعض ولدك أو بعض أهلك ؟ فقال : لا ! فقال : والله لتخبرني ما أبكاك أنت . قال : أبكاني حزني على نفسي ، لو كنت مكانك لم أصبر عنها ، ثم ذكر أنه نام فرأى يوسف في منامه كما تقدم والله أعلم . عكرمة مولى ابن عباس أحد التابعين ، والمفسرين المكثرين والعلماء الربانيين ، والرحالين الجوالين . وهو أبو عبد الله ، وقد روى عن خلق كثير من الصحابة ، وكان أحد أوعية العلم ، وقد أفتى في حياة مولاه ابن عباس ، قال عكرمة : طلبت العلم أربعين سنة ، وقد طاف عكرمة البلاد ، ودخل إفريقية واليمن والشام والعراق وخراسان ، وبث علمه هنالك ، وأخذ الصلات وجوائز الامراء وقد روى ابن أبي شيبة عنه قال : كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل ( 1 ) يعلمني القرآن والسنن ، وقال حبيب بن أبي ثابت : اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا ، عطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد فأقبل سعيد ومجاهد يلقيان على عكرمة التفسير فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما ، فلما نفد ما عندهما جعل يقول : أنزلت آية كذا في كذا ، قال : ثم دخلوا الحمام ليلا . قال جابر بن زيد : عكرمة أعلم الناس . وقال الشعبي : ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة . وروى الإمام أحمد عن عبد الصمد عن سلام بن مسكين ، سمعت قتادة يقول : أعلمهم بالتفسير عكرمة . وقال سعيد بن جبير نحوه ، وقال عكرمة : لقد فسرت ما بين اللوحتين . وقال ابن علية عن أيوب : سأل رجل عكرمة عن آية فقال : نزلت في سفح ذلك الجبل - وأشار إلى سلع - وقال عبد الرزاق عن أبيه : لما قدم عكرمة الجند حمله طاوس على نجيب فقال : ابتعت علم هذا الرجل ( 2 ) ، وفي رواية أن طاوسا حمله على نجيب ثمنه ستون دينارا وقال : ألا نشتري علم هذا العبد بستين دينارا ! .

--> ( 1 ) الكبل : القيد . ( 2 ) زيد في طبقات ابن سعد 5 / 289 : بهذا الجمل .