ابن كثير
260
البداية والنهاية
الستارة ، وقالت له أيضا : يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شئ ؟ قال : أو ما أخبرتك ؟ فقالت : هذه حبابة - وأبرزتها له وأخلته بها وتركته وإياها - فحظيت الجارية عنده ، وكذلك زوجته أيضا ، فقال يوما أشتهي أن أخلو بحبابة في قصر مدة من الدهر ، لا يكون عندنا أحد ، ففعل ذلك ، وجمع إليه في قصره ذلك حبابة ، وليس عنده فيه أحد ، وقد فرش له بأنواع الفرش والبسط الهائلة ، والنعمة الكثيرة السابغة فبينما هو معها في ذلك القصر على أسر حال وأنعم بال ، وبين يديهما عنب يأكلان منه ، إذ رماها بحبة عنب وهي تضحك فشرقت بها فماتت ( 1 ) ، فمكث أياما يقبلها ويرشفها وهي ميتة حتى أنتنت وجيفت فأمر بدفنها ، فلما دفنها أقام أيام عندها على قبرها هائما ، ثم رجع إلى المنزل ثم عاد إلى قبرها فوقف عليه وهو يقول : فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا ( 2 ) * فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد وكل خليل زارني فهو قاتل * من أجلك هذا هامة ( 3 ) اليوم أو غد ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه وكان مرضه بالسل ( 4 ) . وذلك بالسواد سواد الأردن يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة خمس ومائة - وكانت خلافته أربع سنين وشهرا على المشهور ، وقيل أقل من ذلك ، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة ، وقيل خمسا وقيل ستا وقيل ثمانيا وقيل تسعا وثلاثين ، وقيل إنه بلغ الأربعين فالله أعلم . وكان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه أفقم الفم لم يشب ، وقيل إنه مات بالجولان ، وقيل بحوران وصلى عليه ابنه الوليد بن يزيد ، وعمره خمس عشرة سنة ، وقيل بل صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك ، وهو الخليفة بعده ، وحمل على أعناق الرجال حتى دفن بين باب الجابية وباب الصغير بدمشق ، وكان قد عهد بالامر من بعده لأخيه هشام ، ومن بعده لولده الوليد بن يزيد ، فبايع الناس من بعده هشاما .
--> ( 1 ) في فوات الوفيات 4 / 323 : تناولت حبة رمانة فشرقت بها فماتت . وفي مروج الذهب 3 / 242 : اعتلت حبابة فبقيت أياما ثم ماتت . وفي الطبري 8 / 179 : مرضت وثقلت وماتت . ( 2 ) في مروج الذهب : أو تدع الهوى . . . * تسلو النفس . . . والبيت في الطبري 8 / 179 : لئن تسل عنك النفس أو تذهل الهوى * فباليأس يسلو القلب لا بالتجلد وهو لكثير عزة في ديوانه ص 435 . ( 3 ) في العقد الفريد 2 / 283 : ميت . ( 4 ) في العقد : طعن ومات بعد خمسة عشر يوما ، وفي مروج الذهب 3 / 242 : أمام بعدها أياما قلائل ومات .