ابن كثير

259

البداية والنهاية

جعفر بن برقان حدثني الزهري قال : كان لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فلما ولي الخلافة معاوية ورث المسلم من الكافر . ولم يورث الكافر من المسلم ، وأخذ بذلك الخلفاء من بعده ، فلما قام عمر بن عبد العزيز راجع السنة الأولى ، وتبعه في ذلك يزيد بن عبد الملك ، فلما قام هشام أخذ بسنة الخلفاء - يعني أنه ورث المسلم من الكافر - وقال الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال : بينما نحن عند مكحول إذ أقبل يزيد بن عبد الملك فهممنا أن نوسع له ، فقال مكحول : دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس ، يتعلم التواضع . وقد كان يزيد هذا يكثر من مجالسة العلماء قبل أن يلي الخلافة ، فلما ولي عزم على أن يتأسى بعمر بن عبد العزيز ، فما تركه قرناء السوء ، وحسنوا له الظلم ، قال حرملة عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : لما ولي يزيد بن عبد الملك قال سيروا بسيرة عمر ، فمكث كذلك أربعين ليلة ، فأتي بأربعين شيخا فشهدوا له أنه ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب ، وقد اتهمه بعضهم في الدين ، وليس بصحيح ، إنما ذاك ولده الوليد بن يزيد كما سيأتي ، أما هذا فما كان به بأس ، وقد كتب إليه عمر بن عبد العزيز : أما بعد فإني لا أراني إلا ملما بي ، وما أرى الامر إلا سيفضي إليك ، فالله الله في أمة محمد ، فإنك عما قليل ميت فتدع الدنيا إلى من لا يعذرك ، والسلام . وكتب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه هشام : أما بعد فإن أمير المؤمنين قد بلغه أنك استبطأت حياته وتمنيت وفاته ورمت الخلافة ، وكتب في آخره : تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد وقد علموا لو ينفع العلم عندهم * متى مت ما الباغي علي بمخلد منيته تجري لوقت وحتفه * يصادفه يوما على غير موعد فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * تهيأ لأخرى مثلها وكأن قد فكتب إليه هشام : جعل الله يومي قبل يومك ، وولدي قبل ولدك ، فلا خير في العيش بعدك ( 1 ) . وقد كان يزيد هذا يحب حظية من حظاياه يقال لها حبابة - بتشديد الباء الأولى - والصحيح تخفيفها - واسمها العالية ، وكانت جميلة جدا ، وكان قد اشتراها في زمن أخيه بأربعة آلاف دينار ، من عثمان بن سهل بن حنيف ، فقال له أخوه سليمان : لقد هممت أحجر على يديك ، فباعها ، فلما أفضت إليه الخلافة قالت له امرأته سعدة يوما : يا أمير المؤمنين ، هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شئ ؟ قال : نعم ، حبابة ، فبعثت امرأته فاشترتها له ولبستها وصنعتها وأجلستها من وراء

--> ( 1 ) انظر نسخة كتاب يزيد إلى هشام ورد هشام عليه في مروج الذهب 3 / 246 . والعقد الفريد 2 / 282 .