ابن كثير
257
البداية والنهاية
آل الامر فيها إلى أن انهزم خاقان ، وتبعهم المسلمون ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، قتل فيها خلق كثير لا يحصون . وحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري أمير الحرمين والطائف ، وعلى نيابة العراق وخراسان عمر ، ونائبه على خراسان مسلم بن سعيد يومئذ . وفي هذه السنة ولد السفاح وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح ، أول خلفاء بني العباس وقد بايع أباه في الباطن جماعة من أهل العراق . وفيها توفي من الأعيان : خالد بن سعدان الكلاعي له روايات عن جماعة من الصحابة ، وكان تابعيا جليلا ، وكان من العلماء وأئمة الدين المعدودين المشهورين ، وكان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة وهو صائم ، وكان إمام أهل حمص ، وكان يصلي التراويح في شهر رمضان ، فكان يقرأ فيها في كل ليلة ثلث القرآن ، وروى الجوزجاني عنه أنه قال : من اجترأ على الملاوم في مراد الحق ، قلب الله تلك المحامد عليه ذما . وروى ابن أبي الدنيا عنه قال : ما من عبد إلا وله أربعة أعين . عينان في وجهه يبصر بهما أمر دنياه ، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر آخرته ، فإذا أراد الله بالعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما أمر آخرته وهما غيب ، فأمن الغيب بالغيب ، وإذا أراد الله بالعبد خلاف ذلك ترك العبد القلب على ما هو عليه ، فتراه ينظر فلا ينتفع ، فإذا نظر بقلبه نفع ، وقال : بصر القلب من الآخرة ، وبصر العينين من الدنيا وله فضائل كثيرة رحمه الله تعالى . عامر بن سعد بن أبي وقاص الليثي له روايات كثيرة عن أبيه وغيره ، وهو تابعي جليل ، ثقة مشهور . عامر بن شراحيل الشعبي توفي فيها في قول : كان الشعبي من شعب همدان ، كنيته أبو عمرو ، وكان علامة أهل الكوفة ، كان إماما حافظا ، ذا فنون ، وقد أدرك خلقا من الصحابة ( 1 ) وروى عنهم وعن جماعة من التابعين ، وعنه أيضا روى جماعة من التابعين ، قال أبو مجلز : ما رأيت أفقه من الشعبي . وقال مكحول : ما رأيت أحدا أعلم بسنة ماضية منه . وقال داود الأودي : قال لي الشعبي : قم معي ها هنا حتى أفيدك علما ، بل هو رأس العلم . قلت : أي شئ تفيدني ؟ قال : إذا سئلت عما لا تعلم فقل : الله أعلم ، فإنه عالم حسن . وقال : لو أن رجلا سافر من أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبل من عمره ما رأيت سفره ضائعا ، ولو سافر في طلب الدنيا أو الشهوات إلى خارج هذا المسجد ، لرأيت سفره عقوبة وضياعا وقال : العلم أكثر من عدد الشعر ، فخذ من كل شئ أحسنه .
--> ( 1 ) عن منصور بن عبد الرحمن سمعت الشعبي يقول : أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال إبراهيم الحربي : لقي الشعبي أربعة وثلاثين رجلا من الصحابة - صفوة الصفوة 3 / 76 .