ابن كثير
247
البداية والنهاية
وينهاهم أشد النهي ، وذلك لما وقع من القتال الطويل العريض في أيام ابن الأشعث ، وما قتل بسبب ذلك من النفوس العديدة ، وجعل الحسن يخطب الناس ويعظهم في ذلك ، ويأمرهم بالكف ، فبلغ ذلك نائب البصرة عبد الملك ( 1 ) بن المهلب ، فقام في الناس خطيبا فأمرهم بالجد والجهاد ، والنفر إلى القتال ، ثم قال : ولقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي - ولم يسمه - يثبط الناس ، أما والله ليكفن عن ذلك أو لأفعلن ولأفعلن ، وتوعد الحسن ، فلما بلغ الحسن قوله قال : أما والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه ، فسلمه الله منه حتى زالت دولتهم ، وذلك أن الجيوش لما تواجهت تبارز الناس قليلا ، ولم ينشب الحرب شديدا حتى فر أهل العراق سريعا ، وبلغهم أن الجسر الذي جاؤوا عليه حرق فانهزموا ، فقال يزيد بن المهلب : ما بال الناس ؟ ولم يكن من الامر ما يفر من مثله ، فقيل له : إنه بلغهم أن الجسر الذي جاؤوا عليه قد حرق . فقال : قبحهم الله ، ثم رام أن يرد المنهزمين فلم يمكنه ، فثبت في عصابة من أصحابه وجعل بعضهم يتسللون منه حتى بقي في شرذمة قليلة ، وهو مع ذلك يسير قدما لا يمر بخيل إلا هزمهم ، وأهل الشام يتجاورون عنه يمينا وشمالا ، وقد قتل أخوه حبيب بن المهلب ، فازداد حنقا وغيظا ، وهو على فرس له أشهب ( 2 ) ، ثم قصد نحو مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره ، فلما واجهه حملت عليه خيول الشام فقتلوه ، وقتلوا معه أخاه محمد بن المهلب ، وقتلوا السميذع ، وكان من الشجعان ، وكان الذي قتل يزيد بن المهلب رجل يقال له القجل بن عياش ( 3 ) ، فقتل إلى جانب يزيد بن المهلب ، وجاؤوا برأس يزيد إلى مسلمة بن عبد الملك ، فأرسله مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى أخيه أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك ، واستحوذ مسلمة على ما في معسكر يزيد بن المهلب ، وأسر منهم نحوا من ثلاثمائة ( 4 ) ، فبعث بهم إلى الكوفة ، وبعث إلى أخيه فيهم ، فجاء كتابه بقتلهم ، فسار مسلمة فنزل الحيرة . ولما انتهت هزيمة ابن المهلب إلى ابنه معاوية وهو بواسط ، عمد إلى نحو من ثلاثين ( 5 ) أسيرا في يده فقتلهم ، منهم نائب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، عدي بن أرطاة رحمه الله وابنه ، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع ، وجماعة من الاشراف ، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه الخزائن من الأموال ، وجاء معه عمه المفضل بن المهلب إليه ، فاجتمع آل المهلب بالبصرة فأعدوا السفن وتجهزوا أتم الجهاز
--> ( 1 ) في ابن الأثير 5 / 80 وابن الأعثم 8 / 12 والطبري 8 / 153 : مروان بن المهلب . ( 2 ) في مروج الذهب 3 / 244 : أبلق . ( 3 ) في ابن الأعثم 8 / 17 : عياش الفحل من بني كلب . وفي رواية في ابن الأثير 5 / 83 : وقيل بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي . ( 4 ) في ابن الأعثم 8 / 20 : نيف على أربعمائة رجل ضرب أعناقهم إلا ثلاثين من رؤسائهم ليحملهم إلى يزيد بن عبد الملك . ( 5 ) في ابن الأثير 5 / 84 والطبري 8 / 157 : اثنين وثلاثين .