ابن كثير
245
البداية والنهاية
وفيها كانت وقعة بين الخوارج ، وهم أصحاب بسطام الخارجي ، وبين جند الكوفة ، وكانت الخوارج جماعة قليلة ، وكان جيش الكوفة نحوا من عشرة آلاف فارس ، وكادت الخوارج أن تكسرهم ، فتذامروا بينهم فطحنوا الخوارج طحنا عظيما ، وقتلوهم عن آخرهم ، فلم يبقوا منهم ثائرة . وفيها خرج يزيد بن المهلب فخلع يزيد بن عبد الملك واستحوذ على البصرة ، وذلك بعد محاصرة طويلة ، وقتال طويل ، فلما ظهر عليها بسط العدل في أهلها ، وبذل الأموال ، وحبس عاملها عدي بن أرطاة ، لأنه كان قد حبس آل المهلب الذين كانوا بالبصرة ( 1 ) ، حين هرب يزيد بن المهلب من محبس عمر بن عبد العزيز ، كما ذكرنا ، ولما ظهر على قصر الامارة أتي بعدي بن أرطاة فدخل عليه وهو يضحك ، فقال يزيد بن المهلب : إني لأعجب من ضحكك ، لأنك هربت من القتال كما تهرب النساء ، إنك جئتني وأنت تتل كما يتل العبد . فقال عدي : إني لأضحك لان بقائي بقاء لك وأن من ورائي طالبا لا يتركني ، قال : ومن هو ؟ قال : جنود بني أمية بالشام ، ولا يتركونك ، فدارك نفسك ( 2 ) قبل أن يرمي إليك البحر بأمواجه ، فتطلب الإقالة فلا تقال ( 3 ) . فرد عليه يزيد جواب ما قال ، ثم سجنه كما سجن أهله ، واستقر أمر يزيد بن المهلب على البصرة ، وبعث نوابه في النواحي والجهات ، واستناب في الأهواز ، وأرسل أخاه مدرك بن المهلب على نيابة خراسان ، ومعه جماعة من المقاتلة ، فلما بلغ خبره الخليفة يزيد بن عبد الملك جهز ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف ( 4 ) ، مقدمة بين يدي عمه مسلمة بن عبد الملك ، وهو في جنود الشام ، قاصدين البصرة لقتاله ، ولما بلغ يزيد بن المهلب مخرج الجيوش إليه خرج من البصرة واستناب عليها أخاه مروان بن المهلب ، وجاء حتى نزل واسط ، واستشار من معه من الامراء فيما ذا يعتمده ؟ فاختلفوا عليه في الرأي ، فأشار عليه بعضهم بأن يسير إلى الأهواز ليتحصن في رؤوس الجبال ، فقال : إنما تريدون أن تجعلوني طائرا في رأس جبل ؟ وأشار عليه رجل أهل العراق أن يسير إلى الجزيرة فينزلها بأحصن حصن فيها ، ويجتمع عليه أهل الجزيرة فيقاتل بهم أهل الشام ، وانسلخت هذه السنة وهو نازل بواسط وجيش الشام قاصده . وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس أمير المدينة ، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن
--> ( 1 ) ومنهم : المفضل وحبيب ومروان وعبد الملك بنو المهلب . وفي الفتوح لابن الأعثم 8 / 1 : بعث المفضل وحبيب ومروان وحماد وجميع اخوة يزيد بن المهلب فحبسهم وحبس مواليهم وشيعتهم . ( 2 ) في الطبري 8 / 101 : فتدارك فلتتك وزلتك بالتوبة واستقالة العثرة . ( 3 ) زيد في الطبري : وإن أردت الصلح وقد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين وما لم يشخص القوم إليك لم يمنعوك شيئا طلبت فيه الأمان على نفسك وأهلك ومالك . ( 4 ) في ابن الأعثم 8 / 12 : عشرين ألفا .