ابن كثير
235
البداية والنهاية
دينار ، فحصل له بسبب ذلك مرض ، فأخبر أنه مسموم ( 1 ) ، فقال : لقد علمت يوم سقيت السم ، ثم استدعى مولاه الذي سقاه ، فقال له : ويحك ! ! ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : ألف دينار أعطيتها . فقال : هاتها ، فأحضرها فوضعها في بيت المال ، ثم قال له : اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك . ثم قيل لعمر : تدارك نفسك ، فقال : والله لو أن شفائي أن أمس شحمة أذني أو أوتى بطيب فأشمه ما فعلت ، فقيل له : هؤلاء بنوك - وكانوا اثني عشر - ألا توصي لهم بشئ فإنهم فقراء ؟ فقال : ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) [ الأعراف : 195 ] والله لا أعطيتهم حق أحد وهم بين رجلين إما صالح فالله يتولى الصالحين ، وإما غير صالح فما كنت لاعينه على فسقه . وفي رواية فلا أبالي في أي واد هلك . وفي رواية أفأدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت ؟ ما كنت لافعل . ثم استدعى بأولاده فودعهم وعزاهم بهذا ، وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال : انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم ( 2 ) . قال : فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله ، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك - مع كثرة ما ترك لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز ، لان عمر وكل ولده إلى الله عز وجل ، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم ، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم . وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو النعمان ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة ، فإن قضى الله موتا دفنت في القبر الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فقال : والله لان يعذبني الله بكل عذاب ، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها ، أحب إلي من أن يعلم الله من قلبي أني لذلك الموضع أهل . قالوا : وكان مرضه بدير سمعان من قرى حمص وكانت مدة مرضه عشرين يوما ، ولما احتضر قال : أجلسوني فأجلسوه فقال : إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت ، ونهيتني فعصيت ، ثلاثا ، ولكن لا إله إلا الله ، ثم رفع رأسه فأحد النظر ، فقالوا : إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين ، فقال : إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جان ، ثم قبض من ساعته . وفي رواية أنه قال لأهله : اخرجوا عني ، فخرجوا وجلس على الباب مسلمة بن عبد الملك وأخته فاطمة ، فسمعوه يقول : مرحبا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قرأ ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) [ القصص : 83 ] ثم هدأ الصوت فدخلوا عليه فوجدوه قد غمض وسوي إلى القبلة وقبض .
--> ( 1 ) وهو قول ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 / 280 وقال إن يزيد بن عبد الملك دس إليه السم مع خادم له . وفوات الوفيات وفيه : سقاه بنو أمية السم لما شدد عليهم . وفي الطبري 8 / 137 وابن الأثير 5 / 58 ان مرضا ألم به وكانت شكواه عشرين يوما . ولم يذكرا أنه مات مسموما . ( 2 ) انظر وصيته لابنه محمد لما حضرته الوفاة في ابن الأعثم 7 / 323 .