ابن كثير

236

البداية والنهاية

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : ثنا عبد الملك بن عبد العزيز ، عن الدراوردي ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة أن عمر بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبت ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب فقرأوها فإذا فيها : بسم الله الرحمن الرحيم براءة من الله لعمر بن عبد العزيز من النار . فأدخلوها بين أكفانه ودفنوها معه . وروى نحو هذا من وجه آخر ابن عساكر في ترجمة عبد الصمد بن إسماعيل بسنده عن عمير بن حبيب السلمي ، قال : أسرت أنا وثمانية في زمن بني أمية ، فأمر ملك الروم بضرب رقابنا ، فقتل أصحابي وشفع في بطريق من بطارقة الملك ، فأطلقني له ، فأخذني إلى منزله ، وإذا له ابنة مثل الشمس ، فعرضها علي على أن يقاسمني نعمته وأدخل معه في دينه فأبيت ، وخلت بي ابنته فعرضت نفسها علي فامتنعت ، فقالت : ما يمنعك من ذلك ؟ فقلت : يمنعني ديني ، فلا أترك ديني لامرأة ولا لشئ . فقالت : تريد الذهاب إلى بلادك ؟ قلت : نعم ، فقالت : سر على هذا النجم بالليل واكمن بالنهار ، فإنه يلقيك إلى بلادك ، قال : فسرت كذلك ، قال فبينا أنا في اليوم الرابع مكمن إذا بخيل مقبلة فخشيت أن تكون في طلبي ، فإذا أنا بأصحابي الذين قتلوا ومعهم آخرون على دواب شهب ، فقالوا : عمير ؟ فقلت : عمير . فقلت : لهم أوليس قد قتلتم ؟ قالوا : بلى ، ولكن الله عز وجل نشر الشهداء وأذن لهم أن يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز ، قال : ثم قال لي بعضهم : ناولني يدك يا عمير ، فأردفني فسرنا يسيرا ثم قذف بي قذفة وقعت قرب منزلي بالجزيرة ، من غير أن يكون لحقني شر . وقال رجاء بن حياة : كان عمر بن عبد العزيز قد أوصى إلي أن أغسله وأكفنه ، فإذا حللت عقدة الكفن أن أنظر في وجهه فأدلى ، ففعلت فإذا وجهه مثل القراطيس بياضا ، وكان قد أخبرني أنه كل من دفنه قبله من الخلفاء وكان يحل عن وجوههم فإذا هي مسودة . وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف بن ماهك قال : بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا من السماء كتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار ، ساقه من طريق إبراهيم بن بشار ، عن عباد بن عمرو ، عن محمد بن يزيد البصري ، عن يوسف بن ماهك فذكره ، وفيه غرابة شديدة والله أعلم . وقد رئيت له منامات صالحة ، وتأسف عليه الخاصة والعامة ، لا سيما العلماء والزهاد والعباد ، ورثاه الشعراء ، فمن ذلك ما أنشده أبو عمرو الشيباني لكثير ( 1 ) عزة يرثي عمر : -

--> ( 1 ) قال المبرد في الكامل 2 / 322 : وقال رجل من خزاعة وينحله كثير يرثي عمر بن عبد العزيز بن مروان ( قال أبو الحسن : الذي صح عندنا أن هذا الشعر لقطرب النحوي ) .