ابن كثير
23
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة سبع وسبعين فيها أخرج الحجاج مقاتلة أهل الكوفة وكانوا أربعين ألفا ، وانضاف عليهم عشرة آلاف ، فصاروا خمسين ألفا ، وأمر عليهم عتاب بن ورقاء وأمره أن يقصد لشبيب أين كان ، وأن يصمم على قتاله - وكان قد اجتمع على شبيب ألف رجل ( 1 ) - وأن لا يفعلوا كما كانوا يفعلون قبلها من الفرار والهزيمة ولما بلغ شبيبا ما بعث به الحجاج إليه من العساكر والجنود ، لم يعبأ بهم شيئا . بل قام في خطيبا فوعظهم وذكرهم وحثهم على الصبر عند اللقاء ومناجزة الأعداء ، ثم سار شبيب بأصحابه نحو عتاب بن ورقاء ، فالتقيا في آخر النهار عند غروب الشمس ، فأمر شبيب مؤذنه سلام بن يسار ( 2 ) الشيباني فأذن المغرب ثم صلى شبيب بأصحابه المغرب صلاة تامة الركوع والسجود ، وصف عتاب أصحابه - وكان قد خندق حوله وحول جيشه من أول النهار - فلما صلى شبيب بأصحابه المغرب انتظر حتى طلع القمر وأضاء ثم تأمل الميمنة والميسرة ثم حمل على أصحاب رايات عتاب وهو يقول : أنا شبيب أبو المدله لا حكم الا لله ، فهزمهم وقتل أميرهم قبيصة بن والق وجماعة من الامراء معه ، ثم كر على الميمنة وعلى الميسرة ففرق شمل كل واحدة منهما ، ثم قصد القلب فما زال حتى قتل الأمير عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية ( 3 ) ، وولى عامة الجيش مدبرين وداسوا الأمير عتاب وزهرة فوطئته الخيل . وقتل في المعركة عمار بن يزيد الكلبي . ثم قال شبيب لأصحابه : لا تتبعوا منهزما ، وانهزم جيش الحجاج عن بكرة أبيهم راجعين إلى الكوفة ، وكان شبيب لما احتوى على المعسكر أخذ ممن بقي منهم البيعة له بالامارة وقال لهم إلى أي ساعة تهربون ؟ ثم احتوى على ما في المعسكر من الأموال والحواصل ، واستدعى بأخيه مصاد من المدائن ، ثم قصد نحو الكوفة ، وقد وفد إلى الحجاج سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ستة آلاف فارس ومعهما خلق من أهل الشام ، فاستغنى الحجاج بهم عن نصرة أهل الكوفة ، وقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز ، ولا نصر من أراد بكم النصر ، اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا ، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ، فلا يقاتلن معنا إلا من كان عاملا لنا ، ومن لم يشهد قتال عتاب بن ورقاء ، وعزم الحجاج على قتال شبيب بنفسه وسار شبيب حتى بلغ الصراة ، وخرج إليه الحجاج بمن معه من الشاميين وغيرهم ، فلما تواجه الفريقان نظر الحجاج إلى شبيب وهو في ستمائة فخطب الحجاج أهل الشام وقال : يا أهل الشام أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين لا يغلبن باطل هؤلاء الأراجس حقكم ، غضوا الابصار واجثوا على الركب ، واستقبلوا بأطراف الأسنة ، ففعلوا ذلك ، وأقبل شبيب وقد عبى أصحابه
--> ( 1 ) في ابن الأثير 4 / 419 الطبري 7 / 243 : ثمانمائة رجل . ( 2 ) في الطبري : سيار . ( 3 ) في نسخ البداية المطبوعة : جونة وهو تحريف .