ابن كثير
24
البداية والنهاية
ثلاث فرق ، واحدة معه ، وأخرى مع سويد بن سليم ، وأخرى مع المحلل ( 1 ) بن وائل . وأمر شبيب سويدا أن يحمل فحمل على جيش الحجاج فصبروا له حتى إذا دنا منهم وثبوا إليه وثبة واحدة فانهزم عنهم ، فنادى الحجاج : يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا ، ثم أمر الحجاج فقدم كرسيه الذي هو جالس عليه إلى الامام ، ثم أمر شبيب المحلل أن يحمل فحمل فثبتوا له وقدم الحجاج كرسيه إلى أمام ، ثم إن شبيبا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الأسنة وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا ، ثم إن أهل الشام طاعنوه حتى ألحقوه بأصحابه ، فلما رأى صبرهم نادى : يا سويد احمل في خيلك على أهل هذه السرية لعلك تزيل أهلها عنها فأت الحجاج من ورائه ، ونحمل نحن عليه من أمامه . فحمل فلم يفد ذلك شيئا ، وذلك أن الحجاج كان قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ثلاثمائة فارس ردا له من ورائه لئلا يؤتوا من خلفهم ، وكان الحجاج بصيرا بالحرب أيضا ، فعند ذلك حرض شبيب أصحابه على الحملة وأمرهم بها ففهم ذلك الحجاج ، فقال : يا أهل السمع والطاعة اصبروا لهذه الشدة الواحدة ، ثم ورب السماء والأرض ما شئ دون الفتح ، فجثوا على الركب وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه ، فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه ، فما زالوا يطعنون ويطعنون وهم مستظهرون على شبيب وأصحابه حتى ردوهم عن مواقفهم إلى ما ورائها ، فنادى شبيب في أصحابه يا أولياء الله الأرض الأرض ، ثم نزل ونزلوا ونادى الحجاج يا أهل الشام يا أهل السمع والطاعة ، هذا أول النصر والذي نفسي بيده ، وصعد مسجدا هنالك وجعل ينظر إلى الفريقين ، ومع شبيب نحو عشرين رجلا معهم النبل ، واقتتل الناس قتالا شديدا عامة النهار من أشد قتال في الأرض ، حتى أقر كل واحد منهم لصاحبه ، والحجاج ينظر إلى الفريقين من مكانه ، ثم إن خالد بن عتاب استأذن الحجاج في أن يركب في جماعة فيأتي الخوارج من خلفهم ، فأذن له ، فانطلق في جماعة معه نحو من أربعة آلاف ، فدخل عسكر الخوارج من ورائهم فقتل مصادا أخا شبيب ، وغزالة امرأة شبيب ، قتلها رجل يقال له فروة بن دقاق الكلبي ( 2 ) ، وخرق في جيش شبيب ، ففرح بذلك الحجاج وأصحابه وكبروا ، وانصرف شبيب وأصحابه كل منهم على فرس ، فأمر الحجاج أن ينطلقوا في طلبهم ، فشدوا عليهم فهزموهم ، وتخلف شبيب في حامية الناس ، ثم انطلق واتبعه الطلب فجعل ينعس وهو على فرسه حتى يخفق برأسه ، ودنا منه الطلب فجعل بعض أصحابه ينهاه عن النعاس في هذه الساعة فجعل لا يكترث بهم ويعود فيخفق رأسه ، فلما طال ذلك بعث الحجاج إلى أصحابه يقول دعوه في حرق النار ، فتركوه ورجعوا . ثم دخل الحجاج الكوفة فخطب الناس فقال في خطبته . إن شبيبا لم يهزم قبلها ، ثم قصد شبيب الكوفة فخرجت إليه سرية من جيش الحجاج فالتقوا يوم الأربعاء فلا زالوا يتقاتلون إلى يوم
--> ( 1 ) من الطبري وابن الأثير ، وفي الأصول المجلل ، وقد صححت في كل المواضع . ( 2 ) في الطبري 7 / 251 فروة بن الدفان الكلبي .